Saturday, December 31, 2011


دُبَــــــــــــــــــــــيّ

طُـلاَّبُ ازْدِهَار... هُـمْ بَالِغُوه
مسالك ومدارك

     والطائرة تدخل أجواء دبي، تخال وكأن عملاقا برؤوس شامخة تشق صدر الصحراء، في انبعاث متوالي صوب الفضاء، في هالة متوهجة من الأضواء.

     ما أن تطأ قدميك أرض المطار، حتى تحس وكأن الرمال تحولت تحت نعليك، صفائح من رخام وغرانيت وحجارة. حوَّلها إزميل مهندس ماهر، أقراط وسبائك تحلي الممرات  والمسالك.

  مسالك السيارات  معبدة على النمط الأمريكي بصفائح الأسمنت المقوَّى. الطرق السيارة، بفسحة ما بين أربع وست ممرات، ناهيك عن  الجانبين المرصوفين المخصصين للطوارئ. تغمر الأنوار هذه الطرقات على طول المدى. تحفُّ بها الأشجار الخضراء، درءا لعواصف رمال الصحراء. كذلك أدركوا أن تعبيد المسالك سبيل لبلوغ المدارك. وأن العالم العربي في حاجة ماسة للحداثة.

  "أنا لست مواطنا أثينيا ولا يونانيا. أنا مواطن من العالم"

      عبارة قالها الفيلسوف زينون الكيتيومي (264 ـــ 353 ق.م ) مؤسس الفلسفة الرواقية، التي من مبادئها " أن الغرض من الحياة هو تحقيق سعادة الفرد، ليس بإشباع الرغبة ولكن بإرساء الجدية ".      

     يساورك نفس الإحساس وأنت تتجول بمدينة دبي، الإمارات العربية المتحدة. مدينة من الأولى أن يطلق عليها لقب مدينة البشرية العالمية المتحدة. كل الأطياف من كل الأجناس وبكل الأوصاف، تلاقيك وأنت تطوف بوردة الرياح.

     داخل وخارج "المولات" الأسواق الكبرى، بالطرقات والمقاهي، بالمطاعم والفنادق، بالمحلات والنوادي، بالمترو والحافلات، بالمساجد والمحافل. كل الناس على قلب رجل واحد، لا حيرة على الملامح، ولا دهشة على الوجوه، ولا إحساس بالاغتراب... وكأن الكل متعود على الكل. هدفهم التفاني فيما هم منصرفون إليه. يحدوهم شغف الوجود بهذه الأرض المتميزة، مع الشعور بمسؤولية الحفاظ عليها وكأنهم بالأرض الموعودة. فإليها المسار وبها الاستقرار.

     جهة لقمة العيش المتميزة عن شبيهاتها على البسيطة. عالم الشغل والمشغِّل، والتاجر والممول، والكافل والمكفول، والزائر والمروِّج، والمتفرج والمتسوق.

المول ـــ المركز التجاري

     كل العلامات التجارية العالمية الصيت، متواجدة بأبهاء أسواق هذه المراكز الفاخرة. مطاعم ذات العلامات التجارية الدولية المتميزة. قاعات عروض سينمائية وفنية فاخرة. منصات للتزلج وجبال للتزحلق على الثلوج بمواصفات أوليمبية. مصاعد ومهابط إليكترونية، سراديب وطوابق. أسواق بها كل ما يخطر على البال مما أنتجه التطور الصناعي العالمي وتميز به التفتح العربي.

     من أهم هذه المراكز التجارية "مول الإمارات" شساعة حي بكبريات المدن. "مول ابن بطوطة". الذي يثير الانتباه إعجابا بجغرافية التاريخ عند ابن بطوطة المغربي. أمير الرحالة المسلمين، كما تسميه جامعة كمبريدج بأطالسها. صاحب كـتاب ( تحفة الناظر في عجائب الأمصار وعجائب الأسفار). وكذلكم يجسده تصميم  هذا المركز التجاري الفسيح الأرجاء، الجامع لعجائب الأمصار ومسالك الأسفار.

     لا يخلو أي "مول" من مسجد للصلاة، حجمه على قدر سعة المول. مجهز بكل متطلبات العبادة. تقام به الصلوات الخمس. أما صلاة الجمعة فتقام بكبريات المول. الصلاة تجمع كل أصناف البشرية من شتى بقاع العالم. أناس من عباد الله المخلصون. لا ريَّاء ولا نفاق...

      أما المساجد بدبي، فهي باقة متكاملة تجمع بين التصميم والبناء والصيانة والرفاء. الحديث عنها افتخار وانتساب.(... إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) محمد 7.

     من بين أكبر هذه المراكز التجارية المتناثرة بالمدينة، ومن أفسحها، وأرفعها، وأهمها "مول دبي " إسم على مسمى. مركز يطاول أسواق العالم بأسره، بدون منازع. مساحة مدينة بأكملها. تجارة من كل الأمصار. زبائن وزوار.

      بهذا "المول" العجيب الغريب، نافورة بسعة بحيرة،تتراقص مياهها عبر الفضاء في انسجام مع هالة من الأضواء، والألحان الرفيعة الأداء. تتمَلَّى بها الإبصار، وتتودد إليها الأسماع. تَطَّـوَّفُ حولها الوجوه الحسان، متملية بسحر الألحان، متمايلة وكأنها أغصان بان .ـــ مقاربة تذكر بحضارة العرب بالأندلس، بساحة الأسود بقصر الحمراء بغرناطة. حيث قامت بمهارة الجدود، نافورة أسود، تتدفق المياه من فيها، مؤلفة مقطوعة موسيقية رفيعة المجاني، وكأنما هي معزوفة للأخوين ـــ عاصي ومنصور الرحباني ـــ مع فارق زمن الإسطرلاب وزمن الإليكترون.   

      بهذا " المول " العملاق، تحتار قبل أن تختار. يشدك إليه شدا سوق الذهب المترامي الأطراف، المنغمس في أجواء شرقية الأوصاف، وأضواء ساهمة، يصعب التفضيل معها، بين رونق الذهب وبريق عيون المها. مخضرمات تحكي أناقتهن جلال الشرق وجمال الغرب. محجبات من الرأس إلى ما بعد الكعب. مُخْضَلاَّت الجمَال من تحت اللثام. عجميات سافرات حالمات بطلوع البدر. أفضح من عين المحب لما في الصدر. كما يقول البدوي، شاعر المتوكل العباسي. لا حدود لشفافية لباسهن، ولا قيد على حركة أجسامهن... حرية حتى التخمة، وانضباط حتى الحشمة.

     ما أن يطلق سراحك سحر إحدى الأسواق، حتى يقتنصك سهم الآخر، إلى أن تصطادك شِباك "حوض أسماك دبي"، مبحرة بك إلى الأعماق، صحبة كل أصناف وأشكال الأسماك، بما فيها سمك القرش (منـزوع الأسنان)، كي لا يفتك بأسراب الحيتان، كبارها قبل صغارها ـــ أكبر نافذة مائية في العالم ـــ ( موسوعة جينيس العالمية ). فتبارك الله الواحد القهار. وبورك مَن أحسن صنعا بهذه الدار.

ناطحات سحاب ولا سحاب  

     لناطحات السحاب أو الأبراج، تصميم متميز غير الذي تعودناه بكبريات المدن الأمريكية ـ هذه الأبراج  تتمركز إما حول ممر مائي مجلوب من البحر، أو تحيط بمجمعات تجارية متعددة الإنتاجيات. عمارات تختال مشرئبات نحو العلا، غير محتكة بعضها ببعض، ولا حاجبة أشعة الشمس ومصادر الهواء، ولا مكدسة على جوانب الشوارع والأحياء، كما هو الحال بمدن الغرب والشرق على السواء.      هي إما عمارات سكنية أو مكاتب إدارية أو فنادق  للزوار والسياح ورجال الأعمال. فنادق من الفخامة والأناقة ورفيع الخدمات، ما يجعل تصنيفها صعب المنال، إلاَّ على الذي يروق له بها المقام. ــــ لأجل ذلك حسب الظاهر،  وُجدت صيغة سبع نجوم لفندق "برج العرب". هذا النـزل الذي لا يمكن دخوله إلا بعد حجز مسبق تحت كفالة بطاقة الائتمان، التي تخول السحب لفائدة الفندق في حالة عدم الالتزام بالحضور. هناك كذلك فنادق من درجة القصور تحكي رقة البناية العربية بزخارفها المسبوكة ونقوشها المنحوتة، وزرابييها المبثوثة. تعدادها يتجاوز الأربع مائة ونيف، محجوزة طيلة الأيام، جاهزة لاستقبال الزوار على الدوام. ومنها أيضا فئة الهولي داي إين، والشقق المفروش، والمنتجعات المتميزة، الحديث عنها  يحتاج إلى أطروحة.

     قاعدة هذه الأبراج زجاجية الجدران، منشرحة الأركان. تستغلها المقاهي والمطاعم وبعض صغريات المتاجر. مجهزة بمواقف مجانية للسيارات، لصالح المستهلكين والساكنة وإدارة الشركات. صيانتها من صيانة المدينة، نظافة وأناقة وكبير الاهتمام.

     بعيدا عن الأبراج، تتواجد فيلات بديعة البناء، فسيحة الأرجاء. وكما يوجد  بمدينة لوس أنجلوس، السكن الراقي " ببفرلي هيل"  فهناك بدبي " إمارات هيل".  قصور فارعة المعمار بأثمان تتعدى المليار. ساكنتها صفوة تتفانى في تشجيع الاستثمار بالبلاد، غير آبهة بتشنجات "وولستريت " ولا بتدهور برصة "باريس". شعارها الاستثمار الواعد والعمل الرائد. ما يفسر سر إقبال المستثمر الأجنبي عن قناعة وراحة بال، ما دام صاحب الدار طرفا فعَّالا في هذا المجال.

عالم الفن والمعرفة

     عالم الفن والمعرفة بهذه المدينة الفعالة، مليء باللقاءات والإصدارات الفكرية والفنية،تتميز أعظمها بأفق يذكر بمؤسسة الوقف بزمن كان، بفارق عملي يجسده صاحب العمل الخيري بالإشراف شخصيا على سير المشروع، راجيا من وراء ذلك وجه الله وخدمة المعرفة والحفاظ على التراث.

     وعلى أمل أن أفرض مداخلة خاصة بهذا المجال بحول الله، أشير على سبيل المثال لا الحصر، لاسم معلمة يجد فيها الباحث والطالب ضالته. مفخرة العالم العربي والإسلامي والغربي على السواء. " مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث"

     بمدينة دبي، القرية العالمية (معرض منتجات الأمم) وقرية المعرفة ومدينة الإعلام ومدينة الطلبة ومدينة الانترنيت، ومدينة الأكل "«بمول دبي"، وأبراج بحمولة مدن. أعلاها وربما أرفع ما شيده الإنسان على وجه الأرض " برج خليفة " بارتفاع 828 م  و 206 طابق.

      أبراج تناطح السحاب، ولا سحاب. إنها أرض الماضي والحاضر والمستقبل.

     رحم الله الشيخين، زايد آل نهيان، وراشد آل مكتوم، وبارك في الخلف بعد السلف.

عبد الكريم الوزاني




Friday, December 16, 2011

أسبوع بدون أربعاء، شرقا

سان فرانسيسكو.ساحة الاتحاد
دبي ـ برج خليفة
باريس ــ برج إيفل

  " الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك" وكذلك كان، فقد قطعته غربا وقطعني شرقا وجهة مدينة دبي بالشرق الأوسط.

     غادرَت الطائرة الفرنسية مدينة الغرب الأمريكي، سان فرانسيسكو عصر يوم الأربعاء وجهة مدينة العبور باريس، قاطعة أجواء الولايات المتحدة الأمريكية، فالمحيط الأطلسي، فشمال أوروبا، وصولا إلى مطار العبور،شارل دوكول بباريس.

     ما أن غادرت محطة الوصول 2E حتى بدأت في طلب محطة الذهاب 2F وجهة مدينة دبي، كما هو مرقون على تذكرة السفر، لتواجهني مسافة سير على الأقدام، يَحسب لها مختص برياضة العدو الريفي ألف حساب، ناهيك عن مسافر قطع أكثر من عشرة آلاف كيلومتر بالأجواء العليا، من دلوك الشمس إلى طلوع النهار، لأكثر من تسع ساعات. انسلخ فيها المَلَوَان، وتبخر يوم بأكمله عبر الأمصار وأطياف الألوان.

     بهذا المطار العجيب الغريب، مطار شارل دوكول بباريس، عاصمة النور، وبرج إيفل، وحضارة موليير... واجهتني مواقف بسيطة الطلب، حاسمة الغرض،لو حكاها لي غيري لما صدقته. كنت كلما طلبت مساعدة مسؤول بالمطار" ممن يحملون شارة طبعا " عن وجهة محطة الذهاب 2F بما فيهم البوليس، إلا ورفع أنفه إلى الأعلى، ملوحا بإحدى يديه باتجاه غير معلوم، منصرفا كمن يتقي لسعة زنبور.

    خوفا من أن يداهمني الوقت، وجدْتُني أحث الخطى خلف أسراب المسافرين، إلى أن وفقني الحظ لاكتشاف مدخل محطة 2F المكتظ بمختلف المتوجهين إلى دول العالم الآخر. ]والناس درجات[

     ما أن استقر بي المقام بمحطة وجهتي " دبي "، حتى تفقدت هاتفي النقال من أجل طمأنة الأهل على مكان وجودي لأفاجأ بفراغ البطارية. اختلفت على قاعات المحطة المنتشرة بالطابق 2F بدءا من قاعة وجهتي، أبحث عن مأخذ كهرباء وبدون جدوى. ترددت على أصحاب الحوانيت حولها ولا مجيب وكأن بي ما يريب. توددت المسافرين لكن لا حول لهـم لا من بعيد من قريب. إلى أن أشير علي بالالتجاء لمكان بريد بأقصى المحطة،لأجد شابة كستنائية البشرة، تلتهم سندوتشا على الطريقة الأمريكية، تتطلع إلـيَّ وكأنني ثعلب "حكايات لَفُونطين " يحتال لاختطاف جبنة الغُراب القابع فوق الشجرة، لترد وبدون اكتراث... أن ليس هناك سوى مأخذ كهرباء واحد، معطل... ومبطل... أين مني خدمات المطارات الأمريكية ؟ !

     ما بين الحيرة والضغط الجوي، اعتراني اكتآب لم أعتده من قبل، وأنا الذي وكيلي الله وحسبي. وكذلكم علمتني الأيام بقسوتها مجابهة الأوضاع ومقارعة الأحوال، وحسن الانضباط وعدم الانخراط في لعبة المفاجآت التي توصل إلى غيهب الإحباط. بالرغم من كل هذا كدت أفقد الاتجاه، لولا لطف الله.

     جاء وقت ركوب الطائرة الفرنسية المتجهة نحو مدينة دبي. وإذا بنا ننـزل تحت رحمة الأمطار،من على سلم حديدي عالي الدرجات، لنتكدس داخل حافلة تقلنا إلى جناح آخر ]الجالسون بها شباب والواقفون شيوخ[ــــ ما ذكرني بالأخلاق الأمريكية ــ عفواــ بل بالقوانين الأمريكية الفاعلة ــــ لنصعد سلما مماثلا لسابقه بالتمام والكمال، من أجل أن تقلنا طائرة فرنسية أخرى، قاطعة بنا أكثر من سبع ساعات فوق أجواء أوروبا، فتركيا فأرض الرافدين، لتحط بحفظ الله ورعايته بمطار مدينة دبي الفيحاء شرقا،حوالي الواحدة من صباح يوم الجمعة،مقابل الواحدة نهارا من يوم الخميس بمدينة سان فرانسيسكو غربا. بذلكم يتبخر يوم الأربعاء بالكامل، ما بين المحيط الهادي والخليج العربي، بفارق اثني عشرة ساعة على ميناء الساعة ويوم كامل على سطح الكرة الأرضية. الشرق يغمره الليل والغرب يعْمُره النهار. فسبحان الله الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.

     وإذ ما زلت أشعر بالإرهاق لمخلَّفات ما عانيته بمطار شارل دوكول، بدأت أتأهب  لمواجهة ما يمكن أن يصادفني بمطار دبي... لكن الله سلم. فقد وفرت لي ابنتي وزوجها هناك من المساعدات ما جعلني أستعيد صوابي وأرتاح بين أهلي وأحـبابي] لاغيَّب الله عنكم أصحاب الكلمة النافذة[. زادني طمأنينة وراحة بال، ذلكم الجمركي الشديد بياض الثياب،المعمم بأخلاق العرب الألباب، بكلماته الطيبة وابتسامته العريضة، وأنا أجتاز امتحان بصمات العين، قــــــــــــــــــــوله: " مرحبا بك... أنت معروف عندنا " لأجدني خارج المطار وكأن ما عانيته طول زمن السفر، لم يكن سوى مجرد خبر كان، منبهرا بهالة الأضواء، وجمال المكان، وكأن مدينة دبي الحضارة الحاضرة تستقبلني بأحضان المحبة والوفاء.

ــــ الحضارة أن يكون لك حضور فيما حولك.

أبو ظافر

دبي، 6  دجنبر 2011

Friday, November 25, 2011


الــجــمـعـة الــسـوداء
BLACK FRIDAY

     أن تقوم للصلاة أو للعمل باكرا، فهذه سنة حميدة. أما أن تقوم على عجل من أجل التسوق بيوم ماطر، قارس البرودة وشاق المطلب، كأنك في سباق محموم، لتقف بطابور لا حد له، ناهيك عن وجود موقف لسيارتك، فهذا وحده طامة في حد ذاتها، فالبوليس لن يغفر لك الوقوف الغير القانوني ولو كانت وجهتك العالم الآخر.
     هناك من يبنون خيامهم بمحاذاة المجمع التجاري المقصود، لطيلة أسبوع، من أجل اقتناء الحاجات المفضلة قبل نفاذها. بالرغم من ذلك، تقع حوادث في غاية من الخطورة، من كثرة التسابق والاندفاعات، نخالها فوضى، لكنها تتمتع بقوة الانضباط والقانون، ما يذكر بقولة أحد الفلاسفة: " العيش في ظل القانون، كالعيش في أحضان الحياة الأبدية ".
      لكنها مواصفات التجارة الحرة، وبديهيات الاقتصاد الأمريكي. الدعاية ثم الدعاية إلى أن تصبح الدعاية إغراء، والإغراء عقيدة واحتفاء، خصوصا عندما تكون هذه الدعاية تعني يوما يهم الغني والفقير على السواء " الجمعة السوداء"، هي الجمعة الموالية ليوم الخميس الرابع من شهر نونبر من كل سنة، "عيد الشكر".  هذا العيد الذي يعتبره الأمريكيون، يوم تقديم الديك الرومي قربانا وشكرا لله، الذي أنقد الأجداد المهاجرين، أولائك المنفصلين عن الكنيسة الانجليزية (أنجلتيرا، المملكة التي لا تغيب عنها الشمس) عام 1620،  ليصلوا  إلى الساحل الأمريكي بعد مجابهة الأهوال البحرية ومعاناة الأوضاع المزرية عند الوصل، حيث تشرد من تشرد وقضى من قضى، فاستقرت البقية الباقية، بمدينة بليموث، ولاية ماساتشوستس. بعد ذلك بنوا الكنيسة، وأقاموا العبادات، مما جعل قلوب الهنود الحمر تهفوا إليهم، ليحتضنهم رئيس إحدى كبريات القبائل المسيطرة على البلاد والعباد...
       من هناك نشروا عقيدتهم وتوجيهاتهم عبر الولايات، ليقيموا بعد ذلك مع الأصفياء، يوم شكر لله، إلى أن أصبح ذلك، يوما وطنيا باعتراف الكونغرس عام 1941،  وهو يوم مبارك يُجـلّ ويُعظم، من قبل الجميع، كما يُجل ويُعظم عيد الأضحى المبارك. ـــ بفارق الديك الرومي والخروف الغنمي ـــ
     يأتـي خميس عيد الشكر والبهاء، وتليه الجمعة السوداء. هذا اليوم الذي تعود تسميته إلى إبان الأزمة الاقتصادية الأمريكية عام 1869، حيث تدنت المعيشة وتقلصت الأجور وحل الفقر بين الناس. فجاءت مبادرة التجار حينها لتخفف المعاناة عن الفقراء،  بجعل السلع في متناول السواد الأعظم، بأثمان منخفضة تصل في بعض الأحيان إلى ما يناهز 60%، مع تسامح بإعادة السلعة إذا لم توفي بالغرض المطلوب، إلى غاية ما بعد الشهر أحيانا. وهو عرف سائد بعالم التجارة الأمريكية.
     من أخذ هذا عن ذاك... في الزمن القديم عُرف تُجار مدينة فاس، بمساهمة من هذا القبيل. ـــ عوض المجمعات التجارية، كانت هناك فنادق بمثابة مجمعات ـــ، وكان للتجارة أمين. قبيل الأعياد يضع التجار بضاعتهم رهن إشارته، فيتكفل ببيعها بأثمان زهيدة بباحة الفندق وحوانيته،مساعدة للمساكين والفقراء.
     تبركا بهذين اليومين العظيمين، "الشكر والجمعة"، تمتد أيام التسوق بالولايات المتحدة  الأمريكية من25  نونير إلى غاية 25 من دجنبر، إفساحا لشراء هدايا عيد الميلاد (المسيح) ورأس السنة، بأثمان مناسبة، ليست بالمرتفعة، ولا بالمنخفضة، كما كانت عليه يوم الجمعة السوداء، ليعم الضوء بعد السواد، وتدخل الفرحة قلوب الشيوخ واليافعين والأولاد... ذلكم أنه مهما طال السواد، لابد وأن يكون هناك ضوء . وبالمفهوم الأزلي "الأصل هو الضوء" ولا يحل الظلام إلا بعد غياب الضوء.... وكذلك الخير والشر، والاجتهاد والتكاسل، والعمل والخمول، والمحبة والكراهية، والعلم والجهل...
      أما لماذا سمي هذا اليوم الأبيض باليوم الأسود، فأقربها أن يكون التعبير بالأسود، طلبا للهدوء والسكينة وراحة البال...
"وجعلنا الليل لباسا والنهار معاشا" (ص.ع)
                                                                       
                                                                        أبو ظافر

والاناط كريك، الجمعة 25 نونبر2011 

Saturday, November 19, 2011

ليكن هناك ضوء
Let There Be Light

     مايكل إيسكوبار"Michael Escobar" زميل في العمل للعزيز ظافر، بإحدى كبريات شركات التأمين" هارد فوردTHE HARTFORD ".  شاب في مقتبل العمر،  له مظهر آسيوي وتصرف أمريكي، أنيق الطلعة، فصيح التعبير، يحب الحديث باللغة الفرنسية، رفيع القول، واسع المعرفة، يتكلم عن علم واطلاع، ابتداء من الثورة الفرنسية إلى ثورة جامعة بركلي"Université de Berkeley 1964ـ 1965"، وهو بالتالي أحد خريجيها، مذكرا بالاحتجاجات الطلابية الغير المسبوقة في ذلك الوقت، والتي أسفرت عن رفع الحضر عن الطلبة داخل الحرم الجامعي، وكذا الأنشطة السياسية والاعتراف بحقهم في حرية التعبير والحركة الأكاديمية، مفتخرا بالانتماء لهؤلاء الثوار، ومعبرا عن ذلك بحماسة الشجعان...
     يعود بنا مايكل،إلى حقبة الستينات، يقودنا في أول زيارة للحرم الجامعي لمقر السكن الذي كان يقيم به. " كل الحريات مباحة في هذا المبنى العتيق" على حد قوله. وإذا بنا أمام بناية قديمة قدم الجامعة، متداعية الحيطان، مترهلة الأبواب المغلقة، مفتحة الأرجاء بالداخل على كل أشكال الحريات.
      طرق الباب... وما لم يرد أحد... اقترب من نافذة تطل على الداخل طالبا فتحها، فإذا بأحدهم "هيبي"، (حركة شباب 1960)، يفتح الباب ثم يعود أدراجه من حيث أتى، وكأنه على عجلة من أمره.
     ندخل المبنى، فإذا به ما زال على حاله كما كان، يقول مايكل... تغيرت بعض الملصقات، والرسوم على الجذران، وبعض الصور الفوتوغرافية التي يتقاسم أحجامها العري إلى جانب المستورين بطفيف الثياب... هناك على الحائط الأمامي،  رسم الثائر تشيكي فرا، يدخن سيجاره الكوبي، ويضع على رأسه برنيطته السوداء. ألصق أحدهم بأعلى اللوحة، لافتة صغيرة، كتب عليها ـــ ممنوع التدخين ـــ في حين أن الجالسين  بحوش المبنى، من بنات وأولاد، يتقاسمون السيجارة، ويتداولون القبلات الشبه بريئة... "عند أبواب الحريات، جليلة هي المحظورات، يقول صاحبي...
     ونستهل زيارة جامعة بوركلي، بدءا وختاما بالشارع الرئيسي المحاذي لها، بأسفل الجبل،حيث تستقر مبانيها المطلة على منظر يجمع بين الأرض والسماء والخضرة والماء، والهندسة وروعة البناء.
     على مرمى البصر، مدت بين مدينتي بوركلي وسان فرانسيسكو قنطرة  عملاقة صممت من الحديد الصلب، تدعى "القنطرة الذهبية" لتضفي على الموقع، هالة من الجلال الباهر والمنظر الساحر،خاصة عند الأصيل وحين الغروب.
     لكثرة اختلاط الأجناس هنا، لم تعد ترى إلا ناذرا، كما كان عليه من قبل، ذلك الأمريكي الأشقر، الفارع الطول، العريض الأكتاف. اختلطت الأجناس، فأنجبت كوكتيلا مختلف الألوان والأشكال والأحجام، طباعا أمريكية ونكهة عالمية.
     بالشارع المحاذي للجامعة، تثيرك حيوية في الحركة ورتابة في المظهر، والعكس صحيح، خلق مختلف البشرة والهالة والحالة والملبس والهندام، كل على شاكلته، سكارى وما هم بسكارى، عراة وما هم بالعراة، حفاة وما هم بالحفاة. تشم رائحة "الهيبيزم" أو التحرر من البداية إلى النهاية، بوهميون  مدى الفراغ، ملتزمون حتى النخاع...، منهم المار على عجل، والسائر على مهل، والممدد على بسطة الرصيف العارية، ملتحفا الجرائد وجاعلا من الصناديق الفارغة وسائدا، متحملا كل أشكال الألم، منهم القارئ لكتاب،أو بائع للمستعمل منها، كما الآكل لساندويتش من الكباب، والشارب بزجاجة تسيل لرأيتها اللعب، والمفتش عن ضالته بقمامة الزبال، والجالس القرفصاء متسولا بواسطة يافطات، كتبت بأحرف الإنس، وطلاسم الجان، مختلفة الأشكال والأحجام، وفيهم المشهر بالتحف ومختلف أشكال العلب. المباني ليست بالعالية، ولا هي بالمنخفضة الواهية. يطل من شرفة إحداها ، تمثال سافر الجسد، رخيص العراء، رافعا إحدى ذراعيه إلى الأعالي، خافضا الأخرى باتجاه الأهالي. مطاعمها وكأنها حوانيت لكل أشكال المأكل والمشرب. أسيوية، أوروبية، هندية، طيوانية، عربية، واللائحة تطول. تقدم بنكهة وطقوس ـــ عالم الورق ـــ خدمة أمريكية، ملفوفة بالورق، أو مقدمة على طابق من ورق، بدون إسقاط ولو جزء بسيط من هذا الورق بردهات المقاهي أو على أرض الشارع، هناك حاويات على طول الشارع ومن حوله ـــ النظافة أساس الحضارة ـــ هاجس يسكن أعماق أعماق الأمريكيين.
     جامعة  كاليفورنيا، بوركلي،أسست عام 1868. وهي إحدى أقوى كبريات الجامعات الأمريكية وأهم الجامعات في العالم بما في ذلكم أكسفورد وهارفود. من كلياتها، الطب، الصحة العامة، الهندسة، التربية، التصميم، اللاهوت، التربية المستمرة، الأعمال، الإدارة الحكومية، الطاقة الذرية ومعهد راد كليف.
      تخرج منها كبار العلماء والمبدعين، من بينهم، بعض من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، كما كبار القضاة ومدراء كبريات الشركات ورجال الأعمال.
     تميز أساتذتها الباحثون بشرف حصاد 22 جائزة نوبل في شتى المجالات.  وأنت تتجول داخل الحرم الجامعي  تواجهك أمكنة خصصت لموقف سيارات الفائزين بجائزة نوبل، بها لافتات حديدية كتب على كل واحدة منها إسم الأستاذ الفائز. بما فيهم حامل جائزة 2011، أستاذ الفيزياء وعلم الفلك، البروفيسور، صول بيرلميتر SAUL PERLMUTTER الذي عبر في الخطاب التقليدي، في حفل تسليمه الجائزة، عن غبطته العميقة، لأن الجائزة خولت له مكانا خاصا بموقف سيارته بالحرم الجامعي.
     جامعة لا كالجامعات، أضخم بناياتها وأروعها تحتضن أكبر المكتبات الأمريكية، حجما وكما وعطاء. مدينتها لا كالمدن، طباع وتطبع، أناقة وتسكع. تأخذك الغيرة تارة والشفقة أخرى...
أن تكون مبدعا فنعم، وأن تكون متسكعا فلا...
جامعة شعارها " ليكن هناك ضوء "
أبو ظافر
بوركلي 19 نونبر 2011

Saturday, November 5, 2011



   

ترسيخ للمحبة و إحياء للمودة
    بعد أربع وأربعين سنة 

 حطت الطائرة بمطار بورتلاند، ولاية أوركون. كل شيء هناك تغير. ضخامة المباني وشساعة الطرقات،كثرة السيارات وحضور مكثف لحافلات الشركات التي تنقل مسافريها، كل إلى وجهته، ناهيك عن الحافلات العمومية والقطار الإليكتروني على السكة الحديد، مع تشعب الممرات واختلاف الاتجاهات.
     اختلطت عليَّ الطرقات، بيد أن الخلاص من هذا الوضع، سيتكفل بشأنه العزيز ظافر،الذي سيتولى قيادة سيارة الأجرة، معتمدا بحول الله، فطنته الوقادة، ومستعينا بابتكارات العلم الحديث، باستعمال "نظام مرشد الطريق GPS " .
     وصلنا ليلا وجهتنا الأخيرة "هيبو رود". حتى هذه الطريق الغبوية، تغيرت ملامحها، في حين ما زالت شاحنات نقل الخشب من الغابات المجاورة ومعامل النجارة، تمر من هنا باتجاه المحيط الهادي غربا، بينما غطت جانبيها أشجار ضخمة، حجبت خيوط الشمس الدافئة عن فضاءات كانت حدائق الخضروات تتباهى بإنتاج مختلف أنواعها ـــ بانقطاعها انقطع العطاء ـــ فلا ورود ولا زهور ولا خضراوات طازجة، بل مجرد أعشاب برية وأعواد غبوية ورطوبة تتزحلق فوقها الحلزونيات.
     فتشت عن دار الأبوين " وورث " حيث كنت أقيم، فلم أستطع التعرف عليها لطول ما نهبت يد الزمان عنفوانها، وشاخت معالمها بشيخوخة ساكنيها. حتى طائر البوم  الليلي، بعينيه الجميلتين وريشه الفضفاض وصوته الأرغولي ودوران عنقه "180 درجة"، لم يعد له هناك وجود، لقلة الأشجار المتوسطة الأحجام، ولندرة الجيرة اللائقة المقام.
     بعكس ما يخفيه ظلام الليل، وجدنا أنفسنا بأعلى الجبل، بضيافة الإبـن"دانس" بدار بنيت  من الخشب الخالص وتدفئتها ببقايا الأعواد المفصلة بطريقة تسهّل  استعمالها . تطل النوافذ  الزجاجية للدار على سفح شاسع الأرجاء، تتناثر به على مدى البصر، دور الجيران، تتلألأ أضواؤها كنجوم مجرة في عز الليل، يمر بها طريق سيار، تنيره أضواء السيارات والشاحنات التي تتوقف على حين غرة، بين آونة وأخرى، لتعطي حق المرور لغزال شارد أو سنجاب وارد...
     على مرمى البصر، تلوح بناية فخمة، بها فندق وملهى ليلي وكازينو للقمار. لم يكن لها وجود بالزمن السالف... الساكنة هنا يحدثني الإبن " دانس" تحسب هذا الكازينو بمثابة ناذر شؤم، جرثومة، حلت بأرضهم وبين ظهرانيهم. ـــ يعود هذا لاعتقاداتهم الكنائسية ـــ
     تتفتق الشمس أمامنا من بعد زمن الضحى بوقت غير قليل، طاردة على مهل للضباب الجاثم من حولنا، تتسرب منها خيوط عسجدية الأنوار، بقدر ما يسمح بمرورها التفاف أغصان الشجر، لتتراءى في بعض الأحيان وكأنها ستائر مجدولة الألوان، من كثرة امتزاجها برقراق الندى، ومتعة زقزقة الطير الطنان وتملي الطاووس بمشيته الزاهية، إلى جانب الحركة السريعة لمرور مجموعة الديك الرومي وكأنها تسترق السمع.
     لكل غاية مفيدة، فقد سبق وأشرت مرة إلى أن مخالفة رمي النفايات بولاية كاليفورنيا، تناهز 1000 دولار. أما هنا بأوركن، ولاية الشجر العملاق،الرفيع الخشب، والأراضي الفلاحية الشاسعة الأطراف، المتميزة الأوصاف، فالمخالفة أضعاف الأضعاف، تقدر ب 6250 دولار. وهو ما يعبر عن نقائها وجمال حقولها.
     ولأن الوالدين طاعنين في السن، فضّل الإبن العفيف "داناس" إحضارهما إلى حيث نقيم بداره، بالرغم من أن الوالد " إيلمير" ما زال يتمتع بقدرت قيادة السيارة بعمر يناهز القرن... أما الأم " إيلسي" فهي تستعين بعكاز قفصي في  الحركة والسكون، بيد أن ذاكرتها ما زالت تناقش ذكريات الماضي وأحداث الحاضر.
       يخالجك الشعور بالغبطة وأنت ترى هذا الإبن البار، يخفض للوالدين العجوزين، جناح الذل من الرحمة، ويعاملهما كما كانا يعاملاه صغيرا، رافضا وضعهما بدار للعجزة، ماقة للفكرة برمتها. والأروع من كل هذا، زوجته "سوزان" وهي بالتالي أختي بطبيعة مشاركتينا كل على حدة ببرنامج دولي يدعو للأخوة وللمعرفة معا...
       سيدة تتمتع بأخلاق سامية، تصرفاتها ضافية، ومعاملاتها صافية. لها مهجة رابعة العدوية، ونسك مريم ابنة عمران، وعنفوان خديجة بنت خويلد.
     تلحُّ عليّ سوزان وأنا أودعهم وأودعهم جناني، تلحُّ على أن لا أغادر مدينة بورتلاند قبل زيارة مدينة العرفان، تعني مكتبة تدعى مدينة الكتب، وهي عمارة من عدة طوابق مترامية الأطراف، تضم أكثر من مليون كتاب بكل لغات العالم، الجديدة منها والمستعملة، الحديثة والنادرة، والتي بالإمكان قراءتها بنفس المكان، استعارتها أو اقتناؤها... بالعمارة يوجد مقهى ومطعم.  وبما أن المشكل القائم،الحاجة الملحة دائما لموقف السيارات، خصصت المكتبة طابقا بالمجان من أجل ذلك، مقابل شراء أي شيء.
     وللذكرى والتفَكُّر، أخذت صورة تذكارية بجانب  جرار  " آلة حرث " كنت عملت عليها مند أربع وأربعين سنة. حولها مجموعة من الآلات الفلاحية ما زالت شاهدة على الأيام الحالمة، بالرغم من تلاشي بعضها، وكأنها  في مخزن تحف.
     بفضل الله وبعونه، تكررت رحلة 1967 بهذه السنة 2011، بعد 44 سنة، لكنها لن تتكرر سنة 2067، والحال يغني عن السؤال، فقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا... أملي أن يكررها الأبناء والأحفاد معا، ترسيخا للمحبة وإحياء للمودة.


                                                                                     أبو ظافر
فاتح  نونبر 2011





Sunday, October 23, 2011

مدينة الأغنياء المتقاعدين

وال ناط كريك
كاليفورنيا
     بعد توقف تقني بمدينة فرانكفورت ـــ ألمانيا ـــ لحوالي الساعتين، حطت الطائرة الوافدة من الدار البيضاء، بمطار سان فرانسيسكو (عاصمة الشرق الأمريكي الخصب كما يطيب  لي تسميتها).
     بالرغم من هذا التأخير الغير المتوقع، لم يتعطل عن  الميعاد، العزيز ظافر،بل حضر صحبة أحد الرفاق، لينقلني إلى حيث يقيم بمدينة تدعى " وال ناط كريك ". تخيلتها ونحن نغادر المباَني الفخمة والقناطر العملاقة على البحر الهادي، مجرد قرية بسفح وادي مقاطعة كونطرا كوستا.
      وإذا بذاكرتي تستعيد صور مزارع هذه الناحية الغنية بكرومها اليانعة وأشجارها الوارفة ووديانها الصافية... إذ كنت زرتها أواسط الستينات، ضمن برنامج فلاحي دولي برعاية الهاءات الأربعة  4H وحضانة جامعة بركلي.
      وإذا بشساعة الطريق السيار تفاجئني، بحركة السيارات وكأنها أسراب النمل العامل، غدوها كرواحها لا ينقطعان... إلى أن واجهتني لوحات المدينة التي كنت أخالها ما زالت قرية من عدة مساكن، فإذا بها أصبحت مدينة الخضرة والوجوه الحسان، مساحتها بحوالي العشرين كيلومتر مربعة، على بعد يناهز الثلاثين كيلومتر شرق مدينة سان فرانسيسكو الحالمة، شوارع تتفيء حافتاها المعشوشبة بظلال الأشجار الفارعة. تتراءى وكأنها زرابي من الحشائش المتناسقة الأوراق،المصففة الجوانب، اليانعة الاخضرار. على طولها مجموعات سكنية أقصى علوها طابقين، منحنية الأسقف اتقاء تراكم الثلوج، (رغم أن هذه الناحية لا تعرف تساقط الثلوج) ... بيد أن المسؤولين بها يقيمون بوسط المدينة، عند نهاية كل سنة، خيمة ضخمة يجلبون إليها الثلوج، من أجل الاستجمام والتزحلق، بثمن رمزي، دولارات معدودة.
     ونحط الرحال بدارة العزيز ظافر،بمجموعة دور مكونة من طابقين،مجهزة أحياؤها بكل المرافق الضرورية، مسبح وقاعة للتمارين الرياضية، وغيرها من الضروريات. بها موقفان للسيارات: المغطى للساكنة والمكشوف للزوار.
     كل سكن أو مأوى به أكثر من  سيارة ، إلى درجة أنك عندما ترى مواقف السيارات تخال أنها كلها هناك، وإذا نظرت إلى الطريق، تظن أنها كلها سائرة. وفي الحالتين فقد يفوق عدد السيارات عدد الساكنة.
     أتعرف بعدها على الشاب رشيد أومليل، أحد المقيمين، الوافد من مدينة الدار البيضاء، ثقافة متميزة، ومعلومات زاخرة بعبق التاريخ، وفصاحة الشعر العربي الأصيل، وعمق حكمة حكايات ابن المقفع، ودو لا فنطين،مزدهيا بالأناقة الفرنسية، والصلابة الأمريكية، مترسخا بالمدينة وكأنه مقيم بها ما قبل الازدياد، يطوف بشوارعها، دون تلكأ، ويدخل متاجرها ومقاهيها كمن هو في زيارة ود أو معاملة. أرافقه كثيرا خارج المدينة، لزيارة الدور المنتشرة بالناحية. يدخلها من دون استئذان، يتفحصها بدون اكتراث،وبالأخص المعروضة منها للبيع أو الاكتراء.. هي عبارة عن منازل  فاخرة، تنم عن رفاهية ساكنتها ورغد عيشهم. من بين هذه الدور من لا تصل إليها إلا بعد تسلق متن الجبال المحيطة بالبلدة، لتطل من داخل غرفها الزجاجية على أرجاء المدينة، وهي تتملى كعروس بين الأغصان، بسفح يمتد على مدى البصر، رائعة الطلعة، حالمة النظر، رصانة وخيلاء..
     كل شيء متوفر بالمدينة وبالمجان في بعض الأحيان. هناك حافلة تنقل من بدون مقابل، وكأنها خصصت عنوة للوافدين على المدينة، وأخرى بثمن مناسب، تنقل الركاب، في اتجاه محطات القطار السريع الرابط قلب المدينة بمحاورها، والمدن المجاورة، ذهابا وإيابا إلى غاية مدينة فرانسيسكو.
     أروع من كل هذا، مكتبة من طابقين كبيرين، لبيع الكتب والمجلات، وحاجيات طلاب المعرفة، بما في ذلك الكتب الإليكترونية والأقراص المدمجة...  تدعى " برز نوبل"، بها مقهى جانبي، يمكن الجلوس به وقراءة ما يحلو دون مقابل، وتركها حيث هي بعد الانتهاء منها والانصراف من دون تناول طعام أو شراب. أما المهرجانات الثقافية الدائمة العروض، فحدث ولا حرج...
     شوارع وال ناط كريك، فسيحة الأرجاء، على جانبيها ممر للراجلين وراكبي الدراجات الهوائية. تستغل الأرصفة على التوالي، المقاهي والمطاعم. أما المتاجر فتزينها بكراسي للاستراحة ولافتات الإشهار.
      بالبنايات العالية والفاخرة، مقر كبريات الشركات، لا يتعدى علوها الأربع طبقات بما في ذلك موقف السيارات، الذي إن لم يكن بالطابق الأعلى فهو بالطابق الأسفل أو بساحة بمحاذاة المبنى، مرسوم عليها موقف كل سيارة على حدة. كل هذا لوقت معلوم، مخالفته دعيرة قاسية، كما هو بالنسبة لرمي النفايات بالطرقات. وهذه الغرامة وحدها تصل إلى الألف دولار، والإشارة إليها بالذات، تطالعك، حتى وأنت على طريق ضيق بأعلى قمم الجبال. أما إذا ما تجاوزت السرعة المحدودة بقليل، فأمامك إشارة ضوئية تنبهك بالخطأ، وإذا غفلت عن ذلك ولو لدقائق، فأنت تحت رحمة عدسات  التصوير ... لا احتيال ولا احتمال، كل يعرف ما إليه وما عليه، وكأنك بالمدينة الفاضلة. والفضل في هذا يعود لعاملين اثنين، أولهما احترام القوم للقانون وللطبيعة، وثانيهما المراقبة والمعاملة الشديدتين من طرف الشرطة. وللخطأ تبعات، والشرطة بالمرصاد، تتعقب وتفاجئ من دون إخبار، وكأنها تترصد المخالفة والزمان والمكان معا. أما شارب الخمر، بمقود السيارة ، فجريمته لا تحمد عقباها.
     تتبختر هذه المدينة الفيحاء، بواد ذي زرع وضرع، تضلل أراضيها الخصبة أشجار الجوز الفارعة والعرعار وأشجار القيقب الوارفة الأغصان، والأرز السوامق... تتراءى هضبات الجبال المحيطة بها، عند الأصيل، عسجدية الطلعة، من كثرة انعكاس وهج أشعة الشمس المفعمة بحرارة الشرق ودفيء الغرب.
     مدينة أناقتها من رفاء ساكنتها، غير أن الفوارق الاجتماعية تكاد لا تلاحظ، سوى من خلال الفيلات الفاخرة أو السيارات الفخمة المستوردة، التي تعبر عن رفاء  أغنيائها المتقاعدين.
     مدينة وال ناط كريك، مدينة، لو زرتها لعراك الشوق والحسد.
                                                                                  أبو ظافر
22 أكتوبر2011
 

Monday, October 3, 2011

المهرجان الثقافي العربي
 السنوي السابع عشر
بسان فرانسيسكو،
بميدان الاتحاد




     ميدان الاتحاد (Union Square) أخذ اسمه من تجَمُّع دعاة هُدنة الحرب الأهلية الأمريكية 1860،من حيث كان لهؤلاء نقطة تجَمُّع للقاءاتهم السياسية،طلبا للعدالة والحرية،ليصبح فيما بعد،ميدانا للتظاهرات الفنية والمسرحية والثقافية واللقاءات الاقتصادية،وطُلاب الحرية على الســــواء. يطالعنا هذا كله بالفلم الشهير
 " المحادثات The Conversations" لفرانسيس فورد كوبولا (FrancisFord Coppola).
      تحيط بالميدان كبريات شوارع سان فرانسيسكو،يتوسطه عمود يطاول السحاب،علا قمتَه تمثالٌ برونزي مخضّب بالأخضر الداكن... عذراء تحمل بيدها اليسرى الرُّمح المثلث الذي يمثل البحر عند الإغريق، وترفع بيدها اليمنى إكليل النصر. والمقصود بالمنحوت،تخليد الحرب الأمريكية الإسبانية،المعروفة عند الأسبان بكارثة 1898 واللتي أسفرت عن الهزيمة النكراء التي أوقعتها البحرية الأمريكية بالأسطول الإسباني الضخم، آن ذاك، الذي كان يتحكم بالنصف الغربي للكرة الأرضية،حيث أباده الأمريكان عن آخره إلى أن أصبح دُسُرا تتقاذفها الأمواج،بالبحر الكاريبي.
     أن يُقام مهرجان عربي للسنة السابعة عشر على التوالي،بنفس المكان وبدون انقطاع،وفي قلب عاصمة الغرب الأمريكي،يُعد بحق إنجازا من قبيل عجائب الدنيا السبع،يستحق الساهرون عليه،كل تقدير وإعجاب،سواء أكان ذلك انتصارا للحضارات، أو اهتماما بالاقتصاديات، أو استقطابا لمفهوم الأيديولوجيات،(بحسب المفاهيم الشرقية). فالمهرجان بطموحاته وإيجابياته وما وافقها،كان بامتياز،يعزف على النغمة العربية الجهوية وليس النغم العربي كما عرفناه.
     قد يكون هذا من باب اتَّفق العرب على أن لا يتفقوا. عندها "المفرط أولى بالخسارة" ... لأن هناك من العرب،كما يشاع،من هم، لا ينسجمون بسهولة مع الجاليات العربية الأمريكية الأخرى،والعهدة على الراوي... وكل رأس يعجبه طناطنه....كما يقال.
     تميز المهرجان بعروض فنية راقية أهمها رقصة "الدبكة" الفلسطينية. ومِمَّا يُثْلج الصدر، الحضور المتميز للقضية الفلسطينية في البلاد التي تتنفس رئتا ممتهني السياسة بها ـــ رياح الصهيونية ـــ وفي غياب الانسجام العربي ، حدث ولا حرج...
     لكن ميدان تحرير سان فرانسيسكو،حيث أنشئت الحريات. يبقى الميدان والانسجام وأهله، على العهد للحرية، ولحق الناس في الحياة والحرية. 
     وعلى أمل الحضور العربي المنسجم والشامل والكامل، بالملتقى العربي الثامن عشر بحول الله. نقول مع سقراط الحكيم: إن كل شيء موجود في أعماق الإنسان، نحن نُذَكِّره فقط بما لديه ...
أبو ظافر
السبت فاتح أكتوبر 2011