Wednesday, February 29, 2012

دبي، شارع المشائين

         شوارع دبي، ليست كالشوارع التي تعوّدنا عليها. جُلها إن لم تكن كلها طرق سَيَّارة، لما بين أربعة أو ستة ممرات من كل جهة. أو طُرق ملتفَّة حول الفنادق والمؤسسات ذات الأبراج الشاهقة. شوارع تقِل بها حركة الراجلين، باستثناء بعض الممرات كممرات  مرسى دبي"DUBAI MARINA" الخاصة بالمطاعم والمقاهي، بدون سيارات. أو شارع جي.بي.أر " jbr"  الرافد لما حوله من الشوارع والحارات.
          كل شارع من شوارع دبي، يتميز عن الآخر بحسب المؤسسات التجارية الموجودة به، الحاملة لأرقى بصمات العلامات التجارية الدولية. ـــ إسم على مسمى ـــ  لكل بضاعة رمز ولكل رمز ثمن.
          لا توجد عمارة ومبنى، ومتجر وممر، وحارة ومقهى، ومطعم أو دوْرة مياه، إلا وبها عامل أو معسكر نظافة. فيما حاويات النفايات موزعة بكل الاتجاهات ـــ هيئة المحافظة على البيئة بدبي في يقظة تامة. لا تهاود ولا تردد ولا توددـــ
          قبالة ضفاف مضيق هرمز وخلف أبراج مرفأ "مرسى دبي" وعلى مرأى من أبراج الفنادق الفاخرة، ومتاجر الألبسة الراقية، ودور العطور الناذرة، يتراءى شاطئ البحر برماله المكحلة ببخور البترول. يتوارد علي الشاطئ بين الفينة والأخرى، بعض المهتمين بالتزحلق على الماء، أو العابرين بيخوتهم الفاخرة. تصطف حول رماله  سيارات الوافدين المتوجهين لفنادق السائحين، أو صوب شارع المشائين.
          شارع بعرض ضفاف البحر. منبسط الرصيف، معبد بصعيد يسهل المشي علي منحدره. يتلفَّعُ ما بين الشاطئ والفنادق، يُدعى شارع جي.بي.أر " jbr" . فتشت عن مفهوم اختصار الكلمة، فاقتادني إلى أن الأسماء بدبي، تُكتب بالعربية ووردت بالانجليزية تبعا للأصل. وهو مفهوم تجاري دكي، كي لا تتعدى الترجمة حدود المقصود منها. وقد تكون تسمية تخص المجموعة التجارية التي تدير الأبراج المحيطة ـــ وللتجارة أصولها ـــ
          لكثرة ما يزدحم الناس حبا في المشي على هذا الرصيف، عند العشي ووقت الأصيل، بدون كلل ولا ملل، صعودا وهبوطا. اخترت له لقب " شارع المشائين". ـــ والمورد الحلو كثير الازدحام  ـــ.
           تجمعت على طول الشارع، كل أصناف المطاعم بكل الأذواق والنكهات العالمية. بين كل مطعم ومطعم، شرفة مطعم، تفوح منها رائحة الطبخ من خلال اللافتات المعروضة عليها. بين مطعم وآخر تفاجئك واجهات حوانيت  تصطاد بمعروضاتها، المنتظرات دَوْرَ حجوزاتهن على مائدة الطعام.
          ما بين البنايات والشارع، ممر باتجاه واحد، قد يضيق لمرور سيارة واحدة. تجتازه بين حين وآخر، سيارة من طراز: البانتلي، أو الرولس رولس،  أو الفيراري، فما فوق ... ثم تلتفُّ وتعود. ـــ وكل رأس تعجبه طناطنه...
          إلى ما بعد الزوال، يكون الشارع شبه خال إلا من بعض الفيليبينيات اللواتي يلاعبن أطفال سيداتهن الجالسات على كراسي الرصيف، بانتظار وقت الطعام. ويا صبر أيوب، من أجل حجز طاولة الغداء ولو لوقت العشاء.  وَاحْكِ ما تشاء،  عن وقت ما بَعْدَ زوال يوم الجمعة وعصر يوم السبت. ولا الرَّاوي لها...
          بشارع المشائين، المتضوع بأريج عطور تفوح من شقراوات وسمراوات وأخريات بشرتهن ببشرة بلادهن. سيدات يتبخترن فارعات القدود، حتى اهتزاز النهود. مشمرات لحدِّ الركبتين، عاريات ما عدى النهدين وبين الفخذين، مسربلات بــ "جين " مبرقع بسبع وسبعين رقعة مشكلة الألوان مختلفات، أو متلبسات بسروال شفاف حتى الإسفاف، يُقرأ من خلاله طالع البنات الغربيات الآتيات من موسكو روسيا، وبيكين الصين، وباريس فرنسا، وواشنطن أمريكا، ولندن إنجلترا، وفرانكفورت ألمانيا... ومن كل الأجناس... سامقات بطلعة الخيزران، ماسيات كأغصان الزيزفون، طريَّات كالندى الهاتون، ثابتات الخطى، وكأنهن من ساكنات الحي من ماضي السنين. عفيفات "ولا متخذات أخدان".
          من بين الأهالي والسَّائحات، سيدات فاضلات جليلات محتشمات، محصنات، يُدْنِين عليهن من جلابيبهن، ضاربات بخمارهن على جيوبهن، غير متبرجات ولا مستأنسات لفتنة. تحتاج الواحدة منهن رفع اللثام وإعادته أثناء الأكل وعند كل لقمة تَضعُها بفمها، مما يثير الانتباه، واقتناص نظرة الاشتباه... وغالبا ما يكون سر المحاسن في جمال المطلع. ومنهن مَن يمشين كالطاووس متبخترات، بأنوار الشارع مستحمات. عربيات لم يفارق الإثمِد جفونهن بعد. يافعات  كباقي الوشم في ظاهر اليد. عطورهن تفوح كبخور عَرار المعبد.
           هكذا هو شارع المشائين... حافل بكل أنواع الحياة، خصوصا مساء يوم الجمعة وزوال يوم السبت. وبعدهما تخف الحركة ويعود المكان إلى السكون والهدوء.  وتبدأ الدورة التجارية بالمسير. فالمدينة مدينة رجال الأعمال، أكثر منها مدينة الفسحة والاستجمام.  واغتنام عشية استرخاء من المتاعب، يكون بمثابة استراحة المحارب.
" تَمَتَّعْ من شمَِيم عَرَارِ نَجْدٍ* فما بعد العشية من عَرَارِ ـــ .
لكن حريتك تنتهي عند أرنبة أنفك. هذه دبي، كل مَنْ فيها آمِن وأمين.
أبو ظافر
عبد الكريم الوزانتي


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            

Wednesday, February 1, 2012


مركز جامع الشيخ زايد الكبير

مسجد تضيئه الأهلة ليلا

يا باني  الصرح هذا الصرح مفخرة     رمل الضفاف وماء البحر يــــشهده
أرجاؤه كحرير الــــــهند ناعمة      كــأنــهــا مــرمــر واتــاه مــقصده        
       


          أبو ظبي،الإمارات العربية المتحدة،مدينة جميلة،فسيحة الأرجاء،عليلة الأجواء،مُدَّت على جنباتها قناطر جعلت منها مدينة ساحلية أكثر منها شبه جزيرة.

          هم كذلك الإماراتيون، يردون الصحراء عمارة وبناء. كما الهولنديين، يردون البحر إلى الوراء.

          تطالعك وأنت تدخل مدينة أبو ظبي، هضبة مترامية الأطراف بمساحة خمسة ملاعب كرة القدم أو يزيد. أقيمت عليها تحفة معمارية قل مثيلها. قبب كأنهن بيض مكنون،عددهن ثمانون واثنتان. توحي بهيأة قبب مساجد وأضرحة الأولياء والصالحين ببلاد المغرب الأقصى. مآذنها الأربع،المحيطة بالمسجد الكبير،بعلوها السامق"107م" وجواميرها بأهلَّتها المذهبة، تباهي أجمل مآذن المعمور ـــ  معلمة ذات هيبة وقيمة.  أنْسَتني زيارة المدينة ـــ

          تنعكس خيوط الشمس العسجدية على بياض القبب والمآذن المزينة بصفائح مذهبة، وكأنها هالة من نور، أضفتها السماء على رونق المعمور.

          عند المساء تنصهر على القبب المتواتية هالات مختلفات،زرقاء مجلية الألوان،بيضاء رمادية،تتفاعل وتتغير،تبعا لتوارد الأهِلَّة ليلة بعد ليلة،إلى أن يطالعها البدر فتُغضي،والنهار فتضوي. ولتوارد الغيوم عليها مناظر تحكي ابتهالات لا تنقضي. تلامس الأسطح هذه الهالات الفنية الآتية عبر مسافات ضوئية، إليكترونية،مثبتة بجوف أعمدة متقابلة،صممت على نمط أعمدة مسجد حسان بالرباط،تتفاعل من خلال تحكم الكاشفات الضوئية، بدرجات اللون جملة وتفصيلا. لوحات تجعل من وقت طلوع الهلال أصيلا.

          بالجناح الشمالي للمسجد، مدفن باني الإمارات العربية المتحدة،صاحب المقولة الشهيرة " من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له" الشيخ الإمام زايد بن سلطان آل نهيان.  تغمده الله برحمته.

           حول المسجد من الجهات الأربع،مواقف تتسع للعدد العديد من السيارات. وبالرغم من ذلك،قد لا تجد موقفا من كثرة الزوار،ناهيك عن الحافلات المقلة للسياح،من حيث ترى السيدات الأجنبيات بمختلف درجات أولوان بشراتهن وأجناسهن،ضاربات بخمارهن على جيوبهن،لابسات عباءات سوداء فضفاضة تغطيهن من الرأس إلى أخمص القدمين (وفرتها إدارة المسجد)،يمشين الهوينى متباهيات بالتقاط الصور التذكارية،معبرات عن الغبطة في حشمة وحبور، يتراكضن بصرح فسيح عريض، مبلط برخام مزخرف بالزهور وأغصان الياسمين.

          عن اليمين وعن اليسار ممران يمتدان على طول المسجد من حاملات الأقواس. أعمدة من الرخام الملبس، تُتوِّجها  أكاليل من الذهب المقربص.

          القبة الرئيسة، بارتفاع 70م من الداخل و85م من الخارج. مفخرة إسلامية تكاد تكون الأكبر على البسيطة. سقفهى خروم من الجبس المطعم بتصاميم زاهية الألوان،ينعكس زخرفها على سجاد إيراني النسيج،تتماها مع ما على السقف من رسوم.

          تنير هذه البهو البهي، سبع ثريات من الذهب،عيار 24 قراط،مزينة بالكريستال الملون من نوع شواروفيسكي. الثريا الرئيسة،تطل من على علو بعشرات الأمتار. تشرئب نحوها الأعناق وتتملى بطلعتها العيون وتنبهر بجمالها الأذواق. قُطرها يناهز العشرة أمتار،وحمولتها تزيد على عشرات الأطنان من الكريستال المُحَلى بأحجار شبه كريمة، من العقيق الأحمر وللازوردي والأخضر وتموجات الزجاج العراقي... تحفة تتجلى أمام الحاضرين. من كثرة عظمتها تتخيلها وكأنها تنحني إجلالا نحو الزائرين.

           هذه القاعة وحدها تتسع لأكثر من سبعة آلاف من المصلين. أما المسجد برمته فبه متسع لأكثر من أربعين ألفا من العُبَّاد بأيام الجمعة والأعياد. فيما المسجد المخصص للصلوات الخمس يستوعب ما يعادل ألفا وخمس مائة من الرجال وكذلك بالنسبة لقاعة النساء.

          المحراب بالقاعة الرئيسة،مجسم منحوت من ورق الذهب الخالص،جناحي حائطه الأمامي، بعرض القاعة. رصعا بألواح من الرخام. كتب على كل واحدة منها بالخط الكوفي البارز، إسم من أسماء الله الحسنى. فيما حفرت آيات قرآنية وزخارف إسلامية على الجدران والمسالك وداخل الأقبية وبكل ردهات المسجد.

          مسجد تتباهى فيه القطع الفنية،بانتسابها للأسرة والهُوية.ـــ مستطْرَف من كل قطر مستظرف ــــ

          رحم الله الشيخ زايد برحمة الصالحين المقربين،وبارك في الباقين. فقد كان عاشقا لكل ما هو رفيع وثمين... فما خيب الله ظنه بالباقين.

          " لقد أتعبت من أتى من بعدك يا أمير المؤمنين" كما قال عمر ابن الخطاب لأبي بكر الصديق،رضي الله عنهم أجمعين.

          بالطابق الثالث،بالمنارة الشمالية توجد مكتبة قيمة تهتم بالموروث العربي والإسلامي،في مجال المعرفة،كما تضم روائع الكتب العلمية والزخارف العمرانية والمنشآت التاريخية،بما في ذلك السمعية البصرية. إلتفاتة حضارية،تذكر بمنــزلة المرجعية العلمية في الإسلام،كما كـانت عليه على سبيل المثال: صومعة " لغريفة" بمسجد جامع القرويين بفاس. 

          مركز جامع الشيخ زايد الكبير،تحفة معمارية متناغمة الساحات والأركان،والأسقف والجدران. جلالها في معناها وجمالها في مَجْلاها. وللساهرين على هذه التحفة كل احترام وتقدير. يعملون كخلية نحل بدون وكلل ولا كسل،لا يصيبك منهم سوى الشهد والعسل. فتبارك الله. مسجد جمع المحاسن كلها.

           عبادة دائمة وثقافة قائمة وسياحة وافدة. ولله العزة من قبل ومن بعد. 

أبو ظافر

عبد الكريم الوزاني