من ذاكرة الرحلة / تابع شتمبر 2017
عبد الكريم الوزاني
في رحاب مقاطعة كيبيك
"لعلك باخع نفسك"
أن لا تعجل بالسؤال عما حولك ... وأنك تدخل حياضا لا هيَ من الجنة ولا هيَ مما
تعودت فيما يتراءى لك... شساعة عُمران، وطمأنينة إنسان، وبساتين باسقات أفنان،
حشائشها زرابيّ مبثوثة يانعة الاخضرار، لا يعرف ربيعها ذبولا، ولا صيفها يبوسة،
إلا ما كان من شجيرات عفا عليها الزمن، فأصابها الجفاف، فانتصبت مصفرات الأطراف، في
هالة من رونق التباين ما بين الأغصان
الخضراء والأغصان العجاف، في جلال يجمع بين
الطبيعة والإتحاف.
حتى الرياح تهادى وهي ساكنة *** تمشي الهوينى فلا خب ولا عجل
لوحة صممتها عقول مؤمنة بالله، تقدس الطبيعة
وتتحلى بالأخلاق، عارفة بمكنونها، منسجمة مع مزاياها، في صيف ربيعي، تتخلل أيامه، غيوم
سابحة بالأجواء، تتكرم بقطرات نادية أو رذاذ مع اقتراب العشية، فشمس ساطعة تشرئب
لها الأعناق وتتعرى لها الأجسام، طمعا بالاستحمام بأشعتها العسجدية، في حمد وشكر،
ينم عنهما الاحترام التام للكائن والمكان...وكأني بقوله تعالى" ولقد كتبنا
في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباديَ الصالحون ـ الأنبياء/ 105
". يا لها من نفحة من نفحات الحنيفية السمحاء، بدءا بإماطة الأذى عن الطريق وإفشاء
السلام، واحترام الجيرة في محبة تصل إلى الهيام، إلى المحافظة على الطبيعة لدرجة
التقديس، وتبَـنِّي كل ما هو جدير بالعناية والاهتمام، ولو كان في ملك الغير... كل
يعرف ما له وما عليه، لا يتعداه ولو بقطمير،
في دَعة بين الجالس والغادي والراحل والمقيم، لا عجلٌ ولا أجَـل ، قوّامون
بعضهم لبعض، "وتحية فيها سلام"،
أو ابتسامة عريضة بدون كلام. حين ولوج المتاجر أو مغادرتها، سواء تبضَّعتَ أو مررت
مرور الكرام.
الكيبيكيون والمدينة الفاضلة
لعمرك إنهم في حركة دَؤوب، وخدمة
رحوب، بدون عُقدٍ ولا مباهاة، كل يعرف ما له وما عليه. يردُّون
التحية، ويتفاءلون بالابتسامة الندية. عكس الأمريكان الذين إذا ما احتجت لمساعدتهم،
تلكأوا وانصرفوا عنك، كمن يفر مِن مصاب بعدوى. وأن تحادث الأطفال أو تبتسم في وجوههم، فتلكم جريمة يعاقب
عليها القانون الأمريكي. وقد يدخل هذا في نطاق
الاستقرار والأمن للجميع.
تكاد تكون كندا الدولة الأولى التي تُولي
اهتماما متزايدا للّاجئين إليها، وأن يكون للّاجئ أطفال، فتلكم رغبة تغنيه عن
شهادات التخصص ولغة التحدث، أكان ذلك بكندا الفرانكفونية أو بكندا الإنكلوفونية.
خلاصته أن كل لاجئ، يُؤمَّن له السكن اللائق، مع الحاجات الضرورية، من ثلاجة
(برادة) وغسالة ونشافة ملابس وغسالة أواني ولوازم المطبخ، إضافة إلى حوالة بنكية شهرية
تزيد أو تنقص بحسب عدد الأطفال وأعمارهم. ناهيك عن التغطية الصحية ومصاريف دراسة
اللغة القومية للكبار، ومجانية التمدرس للصغار. وبما أن هناك من اللاجئين من تنقصه
معرفة التدبير، فقد يضع اللحم بخزانة الأواني، والبصل بثلاجة المؤونة. " والغاية تبرر الوسيلة "
ولأن السواد الأعظم من الساكنة الأصلية قد
أصابتها نسبة عالية من الشيخوخة، فقد يصدق على من يقوم بخدمتهم قول القائل: "وأن تكون لاجئا، معناه أن تفر من حرب
أوقدوها ببلادك إلى جحيم استعبادك خادما بديارهم، فهم في أمس الحاجة لمن يخدم
شيخوختهم، بسبب تحديد النسل"
وكذلكم هي البلاد الكندية، تستمد نشاطها الاقتصادي
والاجتماعي في آن واحد من طراوة عود اللاجئين. فقد تصيبك الدهشة، وأنت تصادف
بطريقك، وعلى منضدات المتاجر، سحنات تعبِّر عن جنسيات شتى، تطال كل أقطار العالم
بدون استثناء، يسهرون على خدمة الاقتصاد الكندي طولا وعرضا، باستثناء بعض الشباب
الطلبة من المواطنين الأصليين الذين يسهِّـلون لهم فرص العمل بأوقات المداومة خارج
أوقات العمل. وكثيرا ما تكون الغاية من ذلك، مساعدتهم على اقتناء مصروف الجيب بما فيه
واجبات التمدرس عند الحاجة، وبالتالي شغل أوقات الفراغ عند أولائك الشباب، درءا
للانحراف والتسكع في الطرقات.
مدينة كيببك
عندما تعبُر قنطرة مدينة كيبيك الشامخة،
تتفتًّح أمامك طرقات شاسعة، نظيفة نظافة قلب أهلها. يطالعك عُمران متناسق الهيأة
يسر العابر والمقيم، ناهيك عن بحيرات ووديان، تحُـف بها الخضرة من كل مكان، تستحم
برذاذ عاصف، أو هطول جارف، لتتنشف بين آن
وحين، بشمس عسجدية دافئة الأشعة، تتفتق عن
سماء زرقاء تغمرها كتل من الغمام، تسر الناظرين.
ما أن تطل على المدينة العتيقة، حتى يستقبلك
التمدن برحابة تغري بالوقوف، من دون كلل ولا ملل، أمام بنايات مليئة بعبق تاريخ ما
قبل عصر النهضة، وأناقة عصر الأنوار، وأنافة حضارة العصر الفيكتوري.
وبما أن كندا كانت تخضع للاستعمار الفرنسي،
ارتأى صمويل دو شامبلان Samvel de Champlain ،
وهو بحار فرنسي، مستكشف، جمع بين العسكرية والدبلوماسية والطبوغرافية؛ إنشاء
مدينة كيبيك بشرق كندا سنة 1608، إلى أن تنازلت فرنسا عن مستعمراتها في أمريكا الشمالية
بعد حرب السنوات السبع لصالح الإمبراطورية البريطانية عام 1763، كما تنازلت بدورها لصالح السيطرة الكندية
بعد مرور قرن من الزمن. في عام 1867. وبعدها تغيرت الحدود الكندية عدة مرات وتطورت من أربعة
أقاليم إلى ثلاثة أقاليم. تتمثل في الأقاليم الشمالية الغربية: نونافوت و يوكون؛ وإلى عشر مقاطعات وهي: ألبيرتا ـ
كولومبيا البريطانية ـ نوفا اسكوتيا ـ أونتاريو ـ جزيرة الأمير إدوارد ـ كيبيك ـ
وساسكاتشوان ـ في عام 1999.
صمويل دو شامبلان Samvel de Champlain هذا، نصبوا له تمثالا يطل على نهر
سانت لوران العظيم St Lauren
، عن خلفه؛
مشرفا على المدينة برمتها
من أمامه، بساحة تقام بها العروض الفنية والبهلوانية على شاكلة "جامع الْفنا"
أو "باب بوجلود". بفارق، أن ما يقدم بهذا الفضاء، يمثل عملا مسرحيا كلاسيكيا أو من أعمال الطليعة.
احتفظت مقاطعة كيبيك بلغة موليير إلى يومنا
هذا، بلكنة " أطوكطونيية " ـ السكان الأصليين ـ عكس بقية المقاطعات التي
تداولت لغة شكسبير على مدى الأحقاب، لتبقى مدينة كيبيك متميزة بالأسلوب الفرنسي والأناقة
النابليونية، وكاثوليكية نوتر دام دو باري Notre Dame de Paris وبنايات عصر النهضة،
بنوافذها البلورية الناصعة البياض، التي تتيح رؤية ما بالداخل من ثريات
من الكريسطال الخالص، ومقتنيات تعود للأزمان الخوالي، شاهدة على عصور بادت، وحضارات
سادت، لتبقى آثارها تدل عليها كباقي الوشم في ظاهر اليد.
من ذلكم،
قصر فندق فرنطناك 1608Chateau de Frontnac، الذي يصنف ضمن مواقع اليونسكو
للتراث العالمي، ببناياته الفاخرة الشامخة على هضبة تطل على نهر سان لورانس العظيم
St Laurent. وكاتدرائية سانت أن دي بوبي BASILICA OF SAINT – ANNE – DE BEAUPE
1658 المبنية على الطراز القوطي الفاخر، والتي تمثل عند
الكاثوليك؛ ملاذ شفاء المرضى والمعتوهين، الذين يحجون إليها في كل شهر يوليو من كل
عام.
شوارع مدينة كيبيك، كلها حركة صاخبة، وحيوية
نابضة، وتجارة دائبة. متاحف يكثر بها المقتنون، ومقاهٍ تعج بالقاطنين والسائحين.
على حافة بعض الشوارع يصادفك أحدهم يغني على هواه. يتراقص حوله شبان وشابات. تبهر
برقصات سابحات في الزمن الجميل، يؤديها زوجان تجاوزا السبعين، يتهاديان بلباقة المسنين،
لتتجمهر حولهما زرافات من المعجبين. أصالة ومعاصرة تثرى من تراكمات السنين. كل هذا
في مدنية طافحة برصانة الماضي وغنى اكتشافات الحاضر.
على بعد 12 كلم من هذه المدينة
الزاخرة بالفن والتاريخ، تطالعك تحفة شلالات مونت مورنسي MONTMRENCY FALLS
عن عمر ببعد المشرقين، مضاهية
بارتفاعها الشاهق ـ بواقع مرة ونصف ـ شلالات نياغرا، الذائعة الصيت. تتساقط مياه "مورنسي"
في بركة بعمق المحيط الهادي، يحيط بها جسر
معلق يطل على سفح خلاب، تتفتق خضرته عن مغان الزمان ونظافة المكان. للتمتع بجمالية
الشلالات عن قرب، خصصت عربات التليفيركTELEPHERIQUE،
في رحلة الذهاب والإياب. كما أنشئت طريق معبدة للراجلة ومحبي رياضة المشي. وهناك
بالأعلى مقهى فاخر للراحة والاستجمام.
(هذه الشلالات بجلالها وجمالها، تظهر فارعة في
خلفية الفيلم الأمريكي همس المدينة 1947WHISPERING CITY)
مدينة مونريال MONTREAL
العاصمة التجارية لمقاطعة كيبيك
في
يوم ظِـلِّيل، لا مطر غزير، ولا شمس تنير، يمر بالشارع الكبير، ـ مهرجان استعراضي
ـ كرنفال، CARNAVAL خاص
بأصحاب البشرة السوداء، يسمونه بيوم "الأنتليون" نسبة لجزر الأنتيل الكبرى، الواقعة شمال أمريكا
اللاتينية، والتي تضم كلا من كوبا وجامايكا وهاسبانيولا وبورتوريكو، وجزر أنتيل
الصغرى، التي تتكون من مجموعة جزر ليوارد، وجزر واندوارد، وجزر فنزويلا الشاطئية.
ويستثنى من جزر الأنتيل جزر البهاماس بالرغم من أنها تابعة لجزر الهند الغربية ...
إنها ثروة الهجرة، وبذخ الحنين لعصبية النعرة.
مهرجان استعراضي ـ كارنفال ـ ، يمر في صخب وهرج، وفرح ومرج، متنكُّرا بكل أنواع
الألبسة وأشكالها، من الفضفاض إلى المكشوف، إلى ما يضاهي العريّ والميكرو ـ شورط، إظهارا
للوشم المبثوث على الأجساد، في خيال ملفوف برغبة التحدي وزلفى التنطع، ضمن ما يمكن
أن يطلق عليه ولو جزافا "وجودية الخنا، وجلد الذات". وللغربة آثارها.
تفعل فعلتها، كحبل من حرير، على رخام مدخل البئر. أزْرى بها الاختيار، لتنزع عنها
هيبة الوِقار.
تعد مدينة مونتريال ـ موريال ـ المجمع
التجاري لمقاطعة كيبيك، بموانئها الكبيرة، ومتاجرها الفخمة البهيجة، ومتاحفها الأصيلة، ومسارحها وملاعبها الفخمة، وجامعاتها
المتميزة، وفن معمارها الذي يتبختر بين الأصالة والمعاصرة، بإسهام الرسامين
والنحاتين ومهندسي الجسور والطرق السريعة، تحفها جوانب خضراء يانعة، وكأن البستاني
لا يغادرها ليل نهار. أما المطاعم، فحدث ولا حرج. من خدمة النادل إلى خدمة نفسك
بنفسك. شرط : أن تأكل ما تريد، من دون تخسير ولا تبدير.
سانْتْ هيَسانتْ
فصل الربيع في عـز الصيف
نزلتُ وصاحبتي، أم ابني وبناتي، بمدينة سانت
هياسانت، ضيفين برحاب ابنتنا الطيبة الوديعة كوثر، وزوجها الشريف الأصيل سيدي يونس
العلمي. (وكانا بنا حفـيّـيْـن).
سانت
هيسانت، كيبيك، كندا، مدينة ليست كالمدن التي
تعودنا على رؤيتها أو العيش بها. هي عبارة عن مجموعة سكنية مترامية الأطراف
على مساحة 192 كلم2، ساكنتها تتجاوز الستين ألف نسمة،
مساكنها من خشب، لا يتعدى علوها الطابقين، ذات سقوف منحنية، درءا لتراكم ثلوج فصل
الشتاء، عندما تصل درجة حرارة البرودة إلى
ما تحت الأربعين، وعلو الثلج إلى ما فوق المتر أو يزيد. شوارع متوازية مع بعضها، تتقاطع
في نظام كأنه مرسوم بمثلث مهندس، جوانبها مزدانة بأصص الزهور، تسقى بين حين وآخر، بواسطة
شاحنات الري، بالرغم من تهاطل الأمطار بين الفينة والأخرى؛ بما في ذلكم الأعشاب
المترامية على جانبي الطريق. شوارع كتبت أسماؤها بخط عريض عند كل شارة وقوف. تحت
كل اسم، مجسم خط تحته إشارة لصاحب الاسم وتاريخ ميلاده ووفاته، ناهيك عن المعلومات
التوجيهية، عند الأعمدة الضوئية حين الولوج لكبريات الشوارع، مبيّنا عليها بإتقان
كل التعليمات الضرورية لاحترام المرور، ومنها، زر يخص الراجلة وراكبي الدراجات
الهوائية عند الحاجة. فما أن يُضغط على زر
الوجهة، طلبا لإعطاء الإذن بالمرور، حتى تنتظم حركات السير من خلال عداد يعطى
إشارة زمنية بحسب المسافة التي وجب قطعها. بتقنية معادِلة لحركة الشاب والشيخ أو المتكئ على عصاه. في نظام وانتظام. كل يضع خوذته
على رأسه بما في ذلكم الأطفال رفقة أهاليهم. جوانب كل الطرقات معشوشبة في اخضرار
يانع يسر الناظرين، تتخللها شجيرات للزينة، وأخرى لاقتناء الأخشاب. تحس معها وكأنك
بجنان فسيح عرضه بمرمى البصر. نصبت هنا وهناك كراسي أنيقة قصد الاستراحة، نشرت من
خشب أصيل النوع، فائق الإتقان والصنع، في تحد لتقلبات الزمان والمكان، لا تعب ولا ملل
من الجلوس عليها ولو طال المقام. حلة بهية، وأنهار وبحيرات صافية، وأنوار زاهية،
تلتمس من خلالها هدوء القمر في ليلة الرابع عشر، أحرى وأنك تطل على بحيرات هادئة، تجوبها
الأفلاك واليخوت ما بين الصغيرة والمتوسطة، تحف بها غابات كثيفة. تتماهى على
ضفافها أسراب البط المشقشقة فرحا وحبورا، أو سناجب تطل بين الفينة والأخرى من خلف
الأشجار السامقة، ولربما أيل عريض الأكتاف بقرونه المشجرة، يروي ظمأه أو يبحث عن
غزالته الشاردة. كيف لا، والمدينة يحاذيها نهر ياماسكاYAMASKA RIVER ،
فتزدهر حوله الحياة البرية، وتتبختر مزارع وضيع متراميات الأطراف.
حول بمدينة سانت هياسانت، مدن جلها تحمل
أسماء قديسين، وهو ما يعني أن المسيحية كان لها وقع روحي كبير علي الإنسان والمكان.
وقد يقصد في بعض الأحيان بكلمة " قديس" شارع داخل المدينة. تحيط بسانت
هياسانت عدة قرى، عبارة عن مزارع مترامية الأطراف، بالإمكان شراء الخضر والفواكه منها
وقطفها بمشيئتك، حسب الاختيار وطيب الخاطر. باستعمال أكياس بأحجام مختلفة، بثمن
رمزي لكل حجم، يغري بقطف واقتناء ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين... وهي وسيلة
تجارية معتمدة بأنحاء البلاد. مثلما هو الحال ب " المُول" والأفضية
التجارية المبثوثة بكل حدب وصوب، كما هي عليه " المنافذ التجارية المتميزة PREMIUM OUTLETS
" الرافدة لعدة علامات تجارية عالمية. من حيث تعرض بأثمان مغرية، تصل تخفيضاتها أحيانا إلى مستوى70%، مما يغري باقتناء الضروري وغير الضروري ... وقد
يكون المعروض صالونا من الجلد الممتاز، ثلاجة، غسالة، شاشة تلفاز، أو ما لا يخطر
على بال. كذلك بمبيعات الأرصفة، حيث تغلق الشوارع على امتداد المتاجر، وتُصفف بها السلع
بمختلف أنواعها بتخفيضات جد مغرية، تجعلك تقتني من دون أن تكون ذا رغبة أو حاجة...
أما مبيعات المرأب (الكاراج) بمحاذاة السكن، بالثمن الذي تختاره ويوافق مزاجك أو قدراتك
الشرائية. مجال مغريات، وعالم استهلاك بدون منازع. على سبيل المثال لا الحصر:
يافطة كُتب عليها بأحد المرائب: "دراجتان بعشر دولارات". حضر الزبون فلم
يجد سوى دراجة واحدة. أخذها وأعطى العشر دولارات لصاحبها وانصرف. فأوقفه المالك
قائلا: لقد بعت الأخرى بخمس دولارات، وهذه كتلك. وأعاد له خمس دولارات..."ما
أجمل صدق الإسلام ببلاد النصارى"
سانت هيسانت، تضم جالية مغربية تكاد تكون
جلها من ساكنة جهة فاس ـ مكناس، صفرو ومدن الأطلس... جالية بأخلاق عالية، يتعاملون بمثالية منقطعة النظير، بدون مباهاة، مزايدات أو
مغالطات. أخلاق الصفوة، وعبادة الله بالتقوى. لا مهاترات ولا مناكفات. يجمعهم
المسجد، وتؤلف بينهم الصحبة وضيافة بعضهم البعض، ومباراة كرة القدم كل يوم أحد. والجميل
الجليل عندهم، أنهم يحافظون على أخلاقيات أجدادهم؛ كخلع الأحذية بمدخل البيت،
ودعوة الأطفال لتحية الضيوف، وتقديم الشاي وكعب الغزال وما وافق حسن الضيافة. أولادهم
أشبال تحف بهم النعمة، ويدللهم القانون. إلى درجة أن الصبية، مقتنعون بسلطة
البوليس أكثر من سلطة الوالدين. وقد يهدد الطفل والدية بالاتصال بالبوليس لا محبة
بالانتقام، ولكن كراهية بالانضباط، وكأن كل واحد منهم ينتظر سن الرشد ليغادر
والديه، على غرار ما يفعله أبناء المواطنين الأصليين... إلا من رحم ربي.
في زيارة ظافر
ازدان
فراش ابني البار ظافر، بمولود ذكر أسماه سيدي " عمر" وكان عليّ بمعية أمه حضور
حفل العقيقة بضاحية مدينة سان سيناتي CINCINNATIبولاية أوهايو. ففضلنا لطول المسافة، ركوب الطائرة ما بين موريال،
كندا، ومدينة شيكاغو، بالولايات المتحدة، والجمع بين الحسنيين: زيارة ابنتنا
المخضرمة غيثة، ومرافقتها وزوجها عبر الطريق السيار، لزيارة ابننا، الأستاذ ظافر.
على طول الطريق الممتدة بين مدينة شيغاغوـ
إيلينوي، ومدينة سان سيناتي ـ أوهايو، عبر ولاية إنديانا، رفقة ابنتنا الغالية
"غيثة " وزوجها الشريف سيدي المهدي الشدادي، ذهابا رفقة العشب الأخضر
المشذب على طول جانبي الطريق، وغابات أشجار باسقة، تحيط بأراض فلاحية شاسعة، من الذرة والصويا والقمح
الطري، لنصل إلى ضاحية مدينة سان سيناتيCINCINNATI ، "مسقط رأس رائد الفضاء الأمريكي، نيل أرمسترونغ
"NEIL ARMSTRON" أول إنسان وطِئت
قدماه سطح القمر، بتاريخ 20 يوليو 1969، حيث مقام شرفاء أهل وزان، في غربة، جماليتها لا تقاس
بثمن.
في طريقنا لاقتناء كبش العقيقة بإحدى مزارع
الناحية، أثار اهتمامي ــ صوامع الأعلاف ـ مطاميرـ من تحتها إسطبلات، تتمدد منها
أسلاك كهربائية، تصل بين مزرعة وأخرى. تنتج الكهرباء بواسطة فساء الخنازير. وهو ما
يعرف علميا ب " غاز الميثان " ولأن متعاطي الفلاحة على هذه الأرض، نساء
ورجال، يتحلون بحكمة العلم، ومؤهل المعرفة، عن جدارة واستحقاق. والإنسان ابن بيئته،
ورائد اجتهاداته.
وبما أن الذبح بالمنازل ممنوع منعا
كليا، فبحظيرة الأغنام يمكن اختيار الأضحية. وليس لك حق ذبحها، ما دمت لا تستفيد من بوليصة تأمين.
وكانت العودة إلى شيكاغو، بنكهة أناقة سيدي
ظافر، حفظه الله ورعاه، على متن سيارته الفخمة، لما يناهز الست ساعات ونيفا، عبر
طريق شاسع سيار، يعج بالسيارات، ذهابا وإيابا. ناهيك عن الشاحنات بمقطورات طولها بمقدار
مقصورة قطار؛ مما يدل على القوة التجارية المتنامية بالولايات المتحدة الأمريكية ـ
، وقوفا ببعض محطات الاستراحة الجد مريحة، بين الفينة والفينة، مرورا على بعد نصف
ميل، من مدينة موروكو ـ المغرب ـ بولاية
إنديانا، الكائنة على بعد 100كم عن مدينة شيكاغوـ إيلينويا. وهي مدينة يعود عمرها
لأكثر من 165 سنة. يقال أنه عند إنشائها، مر بالجماعة أحدهم على حصانه يلبس خذاء(Bottes)من الجلد، من صنع مغربي، فطلبوا منه إعطاءهم إسما
لمدينتهم، فاقترح عليهم إسم المغرب. وبذلك يتأكد الاكتشاف الحديث، من أن ساكنة
الأرض، أصلها من المغرب. وكذلك هي الولايات المتحدة، عبارة عن وعاء انصهرت فيه
البشرية، أنواعا وأنماطا (melting pot)
وكذلكم هم الأمريكيون، شعب من مختلف الأعراق
والأصناف، يتاجرون في كل شيء، وبكل شيء، وبدون أي اعتبار لأي شيء. ومن أجل أن
تحتفظ تجارتهم بالاستمرارية المنشودة، أسسوا منشآت دستورية، داخل أخرى، كذراع واق
من هيمنة السياسيين، ومن استبداد رؤوس الأموال. وهم ما زالوا يحتفظون بورقة
الدولار الواحد، منذ 1792، إلى يومنا هذا. فكانت لهم هيمنة الدولار على الاقتصاد
العالمي، كعملة عالمية بدون منازع.
نهايته... أن من جد وجد، ومن زرع حصد. قوم
لا يعرفون الاتكال، ولا يتباهون جزافا بأموالهم ولا مكتسباته. الصدق عقيدتهم،
واحترام القوانين هدفهم، والجِد سعيهم، والعمل ديدنهم.
إن من يزرع السناء بأرض ***سوف يجني غدا سني السناء