Sunday, October 23, 2011

مدينة الأغنياء المتقاعدين

وال ناط كريك
كاليفورنيا
     بعد توقف تقني بمدينة فرانكفورت ـــ ألمانيا ـــ لحوالي الساعتين، حطت الطائرة الوافدة من الدار البيضاء، بمطار سان فرانسيسكو (عاصمة الشرق الأمريكي الخصب كما يطيب  لي تسميتها).
     بالرغم من هذا التأخير الغير المتوقع، لم يتعطل عن  الميعاد، العزيز ظافر،بل حضر صحبة أحد الرفاق، لينقلني إلى حيث يقيم بمدينة تدعى " وال ناط كريك ". تخيلتها ونحن نغادر المباَني الفخمة والقناطر العملاقة على البحر الهادي، مجرد قرية بسفح وادي مقاطعة كونطرا كوستا.
      وإذا بذاكرتي تستعيد صور مزارع هذه الناحية الغنية بكرومها اليانعة وأشجارها الوارفة ووديانها الصافية... إذ كنت زرتها أواسط الستينات، ضمن برنامج فلاحي دولي برعاية الهاءات الأربعة  4H وحضانة جامعة بركلي.
      وإذا بشساعة الطريق السيار تفاجئني، بحركة السيارات وكأنها أسراب النمل العامل، غدوها كرواحها لا ينقطعان... إلى أن واجهتني لوحات المدينة التي كنت أخالها ما زالت قرية من عدة مساكن، فإذا بها أصبحت مدينة الخضرة والوجوه الحسان، مساحتها بحوالي العشرين كيلومتر مربعة، على بعد يناهز الثلاثين كيلومتر شرق مدينة سان فرانسيسكو الحالمة، شوارع تتفيء حافتاها المعشوشبة بظلال الأشجار الفارعة. تتراءى وكأنها زرابي من الحشائش المتناسقة الأوراق،المصففة الجوانب، اليانعة الاخضرار. على طولها مجموعات سكنية أقصى علوها طابقين، منحنية الأسقف اتقاء تراكم الثلوج، (رغم أن هذه الناحية لا تعرف تساقط الثلوج) ... بيد أن المسؤولين بها يقيمون بوسط المدينة، عند نهاية كل سنة، خيمة ضخمة يجلبون إليها الثلوج، من أجل الاستجمام والتزحلق، بثمن رمزي، دولارات معدودة.
     ونحط الرحال بدارة العزيز ظافر،بمجموعة دور مكونة من طابقين،مجهزة أحياؤها بكل المرافق الضرورية، مسبح وقاعة للتمارين الرياضية، وغيرها من الضروريات. بها موقفان للسيارات: المغطى للساكنة والمكشوف للزوار.
     كل سكن أو مأوى به أكثر من  سيارة ، إلى درجة أنك عندما ترى مواقف السيارات تخال أنها كلها هناك، وإذا نظرت إلى الطريق، تظن أنها كلها سائرة. وفي الحالتين فقد يفوق عدد السيارات عدد الساكنة.
     أتعرف بعدها على الشاب رشيد أومليل، أحد المقيمين، الوافد من مدينة الدار البيضاء، ثقافة متميزة، ومعلومات زاخرة بعبق التاريخ، وفصاحة الشعر العربي الأصيل، وعمق حكمة حكايات ابن المقفع، ودو لا فنطين،مزدهيا بالأناقة الفرنسية، والصلابة الأمريكية، مترسخا بالمدينة وكأنه مقيم بها ما قبل الازدياد، يطوف بشوارعها، دون تلكأ، ويدخل متاجرها ومقاهيها كمن هو في زيارة ود أو معاملة. أرافقه كثيرا خارج المدينة، لزيارة الدور المنتشرة بالناحية. يدخلها من دون استئذان، يتفحصها بدون اكتراث،وبالأخص المعروضة منها للبيع أو الاكتراء.. هي عبارة عن منازل  فاخرة، تنم عن رفاهية ساكنتها ورغد عيشهم. من بين هذه الدور من لا تصل إليها إلا بعد تسلق متن الجبال المحيطة بالبلدة، لتطل من داخل غرفها الزجاجية على أرجاء المدينة، وهي تتملى كعروس بين الأغصان، بسفح يمتد على مدى البصر، رائعة الطلعة، حالمة النظر، رصانة وخيلاء..
     كل شيء متوفر بالمدينة وبالمجان في بعض الأحيان. هناك حافلة تنقل من بدون مقابل، وكأنها خصصت عنوة للوافدين على المدينة، وأخرى بثمن مناسب، تنقل الركاب، في اتجاه محطات القطار السريع الرابط قلب المدينة بمحاورها، والمدن المجاورة، ذهابا وإيابا إلى غاية مدينة فرانسيسكو.
     أروع من كل هذا، مكتبة من طابقين كبيرين، لبيع الكتب والمجلات، وحاجيات طلاب المعرفة، بما في ذلك الكتب الإليكترونية والأقراص المدمجة...  تدعى " برز نوبل"، بها مقهى جانبي، يمكن الجلوس به وقراءة ما يحلو دون مقابل، وتركها حيث هي بعد الانتهاء منها والانصراف من دون تناول طعام أو شراب. أما المهرجانات الثقافية الدائمة العروض، فحدث ولا حرج...
     شوارع وال ناط كريك، فسيحة الأرجاء، على جانبيها ممر للراجلين وراكبي الدراجات الهوائية. تستغل الأرصفة على التوالي، المقاهي والمطاعم. أما المتاجر فتزينها بكراسي للاستراحة ولافتات الإشهار.
      بالبنايات العالية والفاخرة، مقر كبريات الشركات، لا يتعدى علوها الأربع طبقات بما في ذلك موقف السيارات، الذي إن لم يكن بالطابق الأعلى فهو بالطابق الأسفل أو بساحة بمحاذاة المبنى، مرسوم عليها موقف كل سيارة على حدة. كل هذا لوقت معلوم، مخالفته دعيرة قاسية، كما هو بالنسبة لرمي النفايات بالطرقات. وهذه الغرامة وحدها تصل إلى الألف دولار، والإشارة إليها بالذات، تطالعك، حتى وأنت على طريق ضيق بأعلى قمم الجبال. أما إذا ما تجاوزت السرعة المحدودة بقليل، فأمامك إشارة ضوئية تنبهك بالخطأ، وإذا غفلت عن ذلك ولو لدقائق، فأنت تحت رحمة عدسات  التصوير ... لا احتيال ولا احتمال، كل يعرف ما إليه وما عليه، وكأنك بالمدينة الفاضلة. والفضل في هذا يعود لعاملين اثنين، أولهما احترام القوم للقانون وللطبيعة، وثانيهما المراقبة والمعاملة الشديدتين من طرف الشرطة. وللخطأ تبعات، والشرطة بالمرصاد، تتعقب وتفاجئ من دون إخبار، وكأنها تترصد المخالفة والزمان والمكان معا. أما شارب الخمر، بمقود السيارة ، فجريمته لا تحمد عقباها.
     تتبختر هذه المدينة الفيحاء، بواد ذي زرع وضرع، تضلل أراضيها الخصبة أشجار الجوز الفارعة والعرعار وأشجار القيقب الوارفة الأغصان، والأرز السوامق... تتراءى هضبات الجبال المحيطة بها، عند الأصيل، عسجدية الطلعة، من كثرة انعكاس وهج أشعة الشمس المفعمة بحرارة الشرق ودفيء الغرب.
     مدينة أناقتها من رفاء ساكنتها، غير أن الفوارق الاجتماعية تكاد لا تلاحظ، سوى من خلال الفيلات الفاخرة أو السيارات الفخمة المستوردة، التي تعبر عن رفاء  أغنيائها المتقاعدين.
     مدينة وال ناط كريك، مدينة، لو زرتها لعراك الشوق والحسد.
                                                                                  أبو ظافر
22 أكتوبر2011
 

No comments:

Post a Comment