" نادي " استعارة مكنية لاسم صديق ابني ومجالسه، شاب يتميز بتَقَفِّيهِ لرفيع الكلمات وتعشُّقه لجميل العبارات وتودده للباقيات الصالحات وتفننه في وضع اللمسات الإبداعية على الأغاني العربية المتداولة بديَّار العَمّْ سَامْ،عازف متميز على آلة الأورك،مدير محترف لجوقة الهواة، رومانسي حتى النخاع،متفتح لدرج الإبداع، عفيف عند اللقاء،وديع عند الفراق ،حَادٌّ عند مناصبة الرِّياء...
من يوم دخلت مدينة "وَلْــــنَاطْ كْــرِيكْ " Walnut Creek " أو بمعنى "جدول شجر الجوز" الجميلة، التي تحتاج وحدها إلى كلام كبير وكثير. من يومها وهو يلحُّ عليَّ بالقيام برحلة لمدن الدالية، المستحمة بعسجد شمس الكاليفورنيا، وتذوق عصير العنب، ذو الجودة الدولية الفائقة المعيار.
حقول كروم العنب هذه، مشجرة بتقنية عالية تسمح بالتشذيب والتسميد والجني وإصلاح التربة وحرثها ببساطة متناهية.صُفِّفَت وكأنها فيالق عسكرية في استعراض يوم النصر "جمال في كمال في جلال".
مُدن أنشئت على سفح شاسع تحيط بها الجبال من كل الجهات. أعلى قممها، "جبل الألماس". للوصول إلى قمته وجب اجتياز عدة منعطفات تسورها الأشجار الباسقة بعلو يطاول السماء. طبيعة تتملى الروح بجمالها ويحار العقل في جلالها. طريق معبدة في جوف الجبل،مرسومة المنعطفات،محددة بها السرعة، مراقبٌ بها السير من دون الحاجة لشرطي مرور... ومن ضمن اللافتات المنظمة لاستعمال الطريق، لافتة تثير الانتباه والإعجاب والدهشة في آن واحد... وهي بالتالي قمة التعامل،طلبا للمحافظة على البيئة. تقول اللافتة: )ألف دولار دعيرة للنفايت $1000 FINE FOR LITTERING ) . أما بلغة أخلاق البيئة عندنا ، يقول الكلام المأثور " ... إماطة الأذى عن الطريق صدقة .. "
يغريني صاحبي بالتوقف بمدينة تُدعى "نَابَّا" دون غيرها من المدن المجاورة. إسم هذه المدينة يعني لي الكثير ، أقلها إن لم يكن أهمها مقهى النابة بمدينة فاس، كان يتردد عليه الفنانون والمولعون... أو هكذا قيل... من دخلها مكتئبا، خرج منها مبتهجا.
على جنبات الطريق، تطالعك بين الفينة والأخرى، بناية فسيحة الأرجاء (فيلا) بمدخلها علقت لافتة أنيقة تدعوك للتذوق... برحابها طاولات محاطة بكراسي قصد الجلوس لمن يرغب في تناول الطعام. أرضها معشوشبة،وجنباتها مزينة بالأزهار البرية والأشجار الوارفة الظلال،وكأنك في نزهة بالبادية أيم فصل الربيع، أما التذوق فلا يسمح به سوى بالداخل، الذي هو عبارة عن متحف يحكي حيات العصير،وأهل العصير،جودته وجمالية الكؤوس التي يسقى فيها،بما في ذلك الآلات العتيقة التي كان يُعصر بها في الماضي السحيق.
كلما رَقَّ وراق المقام، نَبَسْتُ قائلا وبدون شعور: ليته كان معي... وفي كل مرة يسائلني مرافقي عمَّن يكون؟ أتناسى السائل والسؤال وأغفل حتى عن المجال، وأكررها من حين لآخر متعلقا بأحبال الآمال، إلى أن بُحت بما أخمن وأضمن، من حيث أعني: الصديق الصادق والعارف الرائق والمُطَّلع على الحقائق، الذي لا أرافق إلا إياه ولا أجالس سواه ،ذاك الذي تركته هناك والذي أتمناه أن يكون بجواري هنا. (سيدي عبد الله العلمي). لكن: ما يتمنى المرءُ يدركه ـــ بمعنى النفي والإثبات معا ـــ
أبو ظافر
الخميس 20 شتمبر 2011
