![]() |
| سان فرانسيسكو.ساحة الاتحاد |
![]() |
| دبي ـ برج خليفة |
![]() |
| باريس ــ برج إيفل |
" الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك" وكذلك كان، فقد قطعته غربا وقطعني شرقا وجهة مدينة دبي بالشرق الأوسط.
غادرَت
الطائرة الفرنسية مدينة الغرب الأمريكي، سان فرانسيسكو عصر يوم الأربعاء وجهة
مدينة العبور باريس، قاطعة أجواء الولايات المتحدة الأمريكية، فالمحيط الأطلسي،
فشمال أوروبا، وصولا إلى مطار العبور،شارل دوكول بباريس.
ما أن غادرت
محطة الوصول 2E حتى بدأت
في طلب محطة الذهاب 2F وجهة مدينة دبي، كما هو مرقون على تذكرة السفر،
لتواجهني مسافة سير على الأقدام، يَحسب لها مختص برياضة العدو الريفي ألف حساب، ناهيك
عن مسافر قطع أكثر من عشرة آلاف كيلومتر بالأجواء العليا، من دلوك الشمس إلى طلوع
النهار، لأكثر من تسع ساعات. انسلخ فيها المَلَوَان، وتبخر يوم بأكمله عبر الأمصار
وأطياف الألوان.
بهذا المطار
العجيب الغريب، مطار شارل دوكول بباريس، عاصمة النور، وبرج إيفل، وحضارة موليير...
واجهتني مواقف بسيطة الطلب، حاسمة الغرض،لو حكاها لي غيري لما صدقته. كنت كلما
طلبت مساعدة مسؤول بالمطار" ممن يحملون شارة طبعا " عن وجهة محطة الذهاب 2F بما
فيهم البوليس، إلا ورفع أنفه إلى الأعلى، ملوحا بإحدى يديه باتجاه غير معلوم، منصرفا
كمن يتقي لسعة زنبور.
خوفا من أن يداهمني
الوقت، وجدْتُني أحث الخطى خلف أسراب المسافرين، إلى أن وفقني الحظ لاكتشاف مدخل
محطة 2F المكتظ بمختلف المتوجهين إلى دول
العالم الآخر. ]والناس درجات[
ما أن استقر
بي المقام بمحطة وجهتي " دبي "، حتى تفقدت هاتفي النقال من أجل طمأنة الأهل
على مكان وجودي لأفاجأ بفراغ البطارية. اختلفت على قاعات المحطة
المنتشرة بالطابق 2F بدءا من قاعة وجهتي، أبحث عن مأخذ كهرباء وبدون جدوى. ترددت على أصحاب
الحوانيت حولها ولا مجيب وكأن بي ما يريب. توددت المسافرين لكن لا حول لهـم لا من
بعيد من قريب. إلى أن أشير علي بالالتجاء لمكان بريد بأقصى المحطة،لأجد شابة كستنائية
البشرة، تلتهم سندوتشا على الطريقة الأمريكية، تتطلع إلـيَّ وكأنني ثعلب "حكايات
لَفُونطين " يحتال لاختطاف جبنة الغُراب القابع فوق الشجرة، لترد وبدون
اكتراث... أن ليس هناك سوى مأخذ كهرباء واحد، معطل... ومبطل... أين مني خدمات
المطارات الأمريكية ؟ !
ما بين الحيرة والضغط الجوي، اعتراني اكتآب
لم أعتده من قبل، وأنا الذي وكيلي الله وحسبي. وكذلكم علمتني الأيام بقسوتها مجابهة
الأوضاع ومقارعة الأحوال، وحسن الانضباط وعدم الانخراط في لعبة المفاجآت التي توصل
إلى غيهب الإحباط. بالرغم من كل هذا كدت أفقد الاتجاه، لولا لطف الله.
جاء وقت
ركوب الطائرة الفرنسية المتجهة نحو مدينة دبي. وإذا بنا ننـزل تحت رحمة الأمطار،من
على سلم حديدي عالي الدرجات، لنتكدس داخل حافلة تقلنا إلى جناح آخر ]الجالسون بها شباب والواقفون شيوخ[ــــ ما ذكرني
بالأخلاق الأمريكية ــ عفواــ بل بالقوانين الأمريكية الفاعلة ــــ لنصعد سلما
مماثلا لسابقه بالتمام والكمال، من أجل أن تقلنا طائرة فرنسية أخرى، قاطعة بنا
أكثر من سبع ساعات فوق أجواء أوروبا، فتركيا فأرض الرافدين، لتحط بحفظ الله ورعايته
بمطار مدينة دبي الفيحاء شرقا،حوالي الواحدة من صباح يوم الجمعة،مقابل الواحدة
نهارا من يوم الخميس بمدينة سان فرانسيسكو غربا. بذلكم يتبخر يوم الأربعاء بالكامل،
ما بين المحيط الهادي والخليج العربي، بفارق اثني عشرة ساعة على ميناء الساعة ويوم
كامل على سطح الكرة الأرضية. الشرق يغمره الليل والغرب يعْمُره النهار. فسبحان
الله الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
وإذ ما زلت أشعر
بالإرهاق لمخلَّفات ما عانيته بمطار شارل دوكول، بدأت أتأهب لمواجهة ما يمكن أن يصادفني بمطار دبي... لكن
الله سلم. فقد وفرت لي ابنتي وزوجها هناك من المساعدات ما جعلني أستعيد صوابي
وأرتاح بين أهلي وأحـبابي]
لاغيَّب الله عنكم أصحاب الكلمة النافذة[. زادني طمأنينة وراحة بال، ذلكم الجمركي الشديد بياض
الثياب،المعمم بأخلاق العرب الألباب، بكلماته الطيبة وابتسامته العريضة، وأنا
أجتاز امتحان بصمات العين، قــــــــــــــــــــوله: " مرحبا بك... أنت
معروف عندنا " لأجدني خارج المطار وكأن ما عانيته طول زمن السفر، لم يكن سوى
مجرد خبر كان، منبهرا بهالة الأضواء، وجمال المكان، وكأن مدينة دبي الحضارة
الحاضرة تستقبلني بأحضان المحبة والوفاء.
ــــ الحضارة أن يكون لك حضور فيما حولك.
أبو ظافر
دبي، 6 دجنبر
2011



No comments:
Post a Comment