Saturday, December 31, 2011


دُبَــــــــــــــــــــــيّ

طُـلاَّبُ ازْدِهَار... هُـمْ بَالِغُوه
مسالك ومدارك

     والطائرة تدخل أجواء دبي، تخال وكأن عملاقا برؤوس شامخة تشق صدر الصحراء، في انبعاث متوالي صوب الفضاء، في هالة متوهجة من الأضواء.

     ما أن تطأ قدميك أرض المطار، حتى تحس وكأن الرمال تحولت تحت نعليك، صفائح من رخام وغرانيت وحجارة. حوَّلها إزميل مهندس ماهر، أقراط وسبائك تحلي الممرات  والمسالك.

  مسالك السيارات  معبدة على النمط الأمريكي بصفائح الأسمنت المقوَّى. الطرق السيارة، بفسحة ما بين أربع وست ممرات، ناهيك عن  الجانبين المرصوفين المخصصين للطوارئ. تغمر الأنوار هذه الطرقات على طول المدى. تحفُّ بها الأشجار الخضراء، درءا لعواصف رمال الصحراء. كذلك أدركوا أن تعبيد المسالك سبيل لبلوغ المدارك. وأن العالم العربي في حاجة ماسة للحداثة.

  "أنا لست مواطنا أثينيا ولا يونانيا. أنا مواطن من العالم"

      عبارة قالها الفيلسوف زينون الكيتيومي (264 ـــ 353 ق.م ) مؤسس الفلسفة الرواقية، التي من مبادئها " أن الغرض من الحياة هو تحقيق سعادة الفرد، ليس بإشباع الرغبة ولكن بإرساء الجدية ".      

     يساورك نفس الإحساس وأنت تتجول بمدينة دبي، الإمارات العربية المتحدة. مدينة من الأولى أن يطلق عليها لقب مدينة البشرية العالمية المتحدة. كل الأطياف من كل الأجناس وبكل الأوصاف، تلاقيك وأنت تطوف بوردة الرياح.

     داخل وخارج "المولات" الأسواق الكبرى، بالطرقات والمقاهي، بالمطاعم والفنادق، بالمحلات والنوادي، بالمترو والحافلات، بالمساجد والمحافل. كل الناس على قلب رجل واحد، لا حيرة على الملامح، ولا دهشة على الوجوه، ولا إحساس بالاغتراب... وكأن الكل متعود على الكل. هدفهم التفاني فيما هم منصرفون إليه. يحدوهم شغف الوجود بهذه الأرض المتميزة، مع الشعور بمسؤولية الحفاظ عليها وكأنهم بالأرض الموعودة. فإليها المسار وبها الاستقرار.

     جهة لقمة العيش المتميزة عن شبيهاتها على البسيطة. عالم الشغل والمشغِّل، والتاجر والممول، والكافل والمكفول، والزائر والمروِّج، والمتفرج والمتسوق.

المول ـــ المركز التجاري

     كل العلامات التجارية العالمية الصيت، متواجدة بأبهاء أسواق هذه المراكز الفاخرة. مطاعم ذات العلامات التجارية الدولية المتميزة. قاعات عروض سينمائية وفنية فاخرة. منصات للتزلج وجبال للتزحلق على الثلوج بمواصفات أوليمبية. مصاعد ومهابط إليكترونية، سراديب وطوابق. أسواق بها كل ما يخطر على البال مما أنتجه التطور الصناعي العالمي وتميز به التفتح العربي.

     من أهم هذه المراكز التجارية "مول الإمارات" شساعة حي بكبريات المدن. "مول ابن بطوطة". الذي يثير الانتباه إعجابا بجغرافية التاريخ عند ابن بطوطة المغربي. أمير الرحالة المسلمين، كما تسميه جامعة كمبريدج بأطالسها. صاحب كـتاب ( تحفة الناظر في عجائب الأمصار وعجائب الأسفار). وكذلكم يجسده تصميم  هذا المركز التجاري الفسيح الأرجاء، الجامع لعجائب الأمصار ومسالك الأسفار.

     لا يخلو أي "مول" من مسجد للصلاة، حجمه على قدر سعة المول. مجهز بكل متطلبات العبادة. تقام به الصلوات الخمس. أما صلاة الجمعة فتقام بكبريات المول. الصلاة تجمع كل أصناف البشرية من شتى بقاع العالم. أناس من عباد الله المخلصون. لا ريَّاء ولا نفاق...

      أما المساجد بدبي، فهي باقة متكاملة تجمع بين التصميم والبناء والصيانة والرفاء. الحديث عنها افتخار وانتساب.(... إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) محمد 7.

     من بين أكبر هذه المراكز التجارية المتناثرة بالمدينة، ومن أفسحها، وأرفعها، وأهمها "مول دبي " إسم على مسمى. مركز يطاول أسواق العالم بأسره، بدون منازع. مساحة مدينة بأكملها. تجارة من كل الأمصار. زبائن وزوار.

      بهذا "المول" العجيب الغريب، نافورة بسعة بحيرة،تتراقص مياهها عبر الفضاء في انسجام مع هالة من الأضواء، والألحان الرفيعة الأداء. تتمَلَّى بها الإبصار، وتتودد إليها الأسماع. تَطَّـوَّفُ حولها الوجوه الحسان، متملية بسحر الألحان، متمايلة وكأنها أغصان بان .ـــ مقاربة تذكر بحضارة العرب بالأندلس، بساحة الأسود بقصر الحمراء بغرناطة. حيث قامت بمهارة الجدود، نافورة أسود، تتدفق المياه من فيها، مؤلفة مقطوعة موسيقية رفيعة المجاني، وكأنما هي معزوفة للأخوين ـــ عاصي ومنصور الرحباني ـــ مع فارق زمن الإسطرلاب وزمن الإليكترون.   

      بهذا " المول " العملاق، تحتار قبل أن تختار. يشدك إليه شدا سوق الذهب المترامي الأطراف، المنغمس في أجواء شرقية الأوصاف، وأضواء ساهمة، يصعب التفضيل معها، بين رونق الذهب وبريق عيون المها. مخضرمات تحكي أناقتهن جلال الشرق وجمال الغرب. محجبات من الرأس إلى ما بعد الكعب. مُخْضَلاَّت الجمَال من تحت اللثام. عجميات سافرات حالمات بطلوع البدر. أفضح من عين المحب لما في الصدر. كما يقول البدوي، شاعر المتوكل العباسي. لا حدود لشفافية لباسهن، ولا قيد على حركة أجسامهن... حرية حتى التخمة، وانضباط حتى الحشمة.

     ما أن يطلق سراحك سحر إحدى الأسواق، حتى يقتنصك سهم الآخر، إلى أن تصطادك شِباك "حوض أسماك دبي"، مبحرة بك إلى الأعماق، صحبة كل أصناف وأشكال الأسماك، بما فيها سمك القرش (منـزوع الأسنان)، كي لا يفتك بأسراب الحيتان، كبارها قبل صغارها ـــ أكبر نافذة مائية في العالم ـــ ( موسوعة جينيس العالمية ). فتبارك الله الواحد القهار. وبورك مَن أحسن صنعا بهذه الدار.

ناطحات سحاب ولا سحاب  

     لناطحات السحاب أو الأبراج، تصميم متميز غير الذي تعودناه بكبريات المدن الأمريكية ـ هذه الأبراج  تتمركز إما حول ممر مائي مجلوب من البحر، أو تحيط بمجمعات تجارية متعددة الإنتاجيات. عمارات تختال مشرئبات نحو العلا، غير محتكة بعضها ببعض، ولا حاجبة أشعة الشمس ومصادر الهواء، ولا مكدسة على جوانب الشوارع والأحياء، كما هو الحال بمدن الغرب والشرق على السواء.      هي إما عمارات سكنية أو مكاتب إدارية أو فنادق  للزوار والسياح ورجال الأعمال. فنادق من الفخامة والأناقة ورفيع الخدمات، ما يجعل تصنيفها صعب المنال، إلاَّ على الذي يروق له بها المقام. ــــ لأجل ذلك حسب الظاهر،  وُجدت صيغة سبع نجوم لفندق "برج العرب". هذا النـزل الذي لا يمكن دخوله إلا بعد حجز مسبق تحت كفالة بطاقة الائتمان، التي تخول السحب لفائدة الفندق في حالة عدم الالتزام بالحضور. هناك كذلك فنادق من درجة القصور تحكي رقة البناية العربية بزخارفها المسبوكة ونقوشها المنحوتة، وزرابييها المبثوثة. تعدادها يتجاوز الأربع مائة ونيف، محجوزة طيلة الأيام، جاهزة لاستقبال الزوار على الدوام. ومنها أيضا فئة الهولي داي إين، والشقق المفروش، والمنتجعات المتميزة، الحديث عنها  يحتاج إلى أطروحة.

     قاعدة هذه الأبراج زجاجية الجدران، منشرحة الأركان. تستغلها المقاهي والمطاعم وبعض صغريات المتاجر. مجهزة بمواقف مجانية للسيارات، لصالح المستهلكين والساكنة وإدارة الشركات. صيانتها من صيانة المدينة، نظافة وأناقة وكبير الاهتمام.

     بعيدا عن الأبراج، تتواجد فيلات بديعة البناء، فسيحة الأرجاء. وكما يوجد  بمدينة لوس أنجلوس، السكن الراقي " ببفرلي هيل"  فهناك بدبي " إمارات هيل".  قصور فارعة المعمار بأثمان تتعدى المليار. ساكنتها صفوة تتفانى في تشجيع الاستثمار بالبلاد، غير آبهة بتشنجات "وولستريت " ولا بتدهور برصة "باريس". شعارها الاستثمار الواعد والعمل الرائد. ما يفسر سر إقبال المستثمر الأجنبي عن قناعة وراحة بال، ما دام صاحب الدار طرفا فعَّالا في هذا المجال.

عالم الفن والمعرفة

     عالم الفن والمعرفة بهذه المدينة الفعالة، مليء باللقاءات والإصدارات الفكرية والفنية،تتميز أعظمها بأفق يذكر بمؤسسة الوقف بزمن كان، بفارق عملي يجسده صاحب العمل الخيري بالإشراف شخصيا على سير المشروع، راجيا من وراء ذلك وجه الله وخدمة المعرفة والحفاظ على التراث.

     وعلى أمل أن أفرض مداخلة خاصة بهذا المجال بحول الله، أشير على سبيل المثال لا الحصر، لاسم معلمة يجد فيها الباحث والطالب ضالته. مفخرة العالم العربي والإسلامي والغربي على السواء. " مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث"

     بمدينة دبي، القرية العالمية (معرض منتجات الأمم) وقرية المعرفة ومدينة الإعلام ومدينة الطلبة ومدينة الانترنيت، ومدينة الأكل "«بمول دبي"، وأبراج بحمولة مدن. أعلاها وربما أرفع ما شيده الإنسان على وجه الأرض " برج خليفة " بارتفاع 828 م  و 206 طابق.

      أبراج تناطح السحاب، ولا سحاب. إنها أرض الماضي والحاضر والمستقبل.

     رحم الله الشيخين، زايد آل نهيان، وراشد آل مكتوم، وبارك في الخلف بعد السلف.

عبد الكريم الوزاني




Friday, December 16, 2011

أسبوع بدون أربعاء، شرقا

سان فرانسيسكو.ساحة الاتحاد
دبي ـ برج خليفة
باريس ــ برج إيفل

  " الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك" وكذلك كان، فقد قطعته غربا وقطعني شرقا وجهة مدينة دبي بالشرق الأوسط.

     غادرَت الطائرة الفرنسية مدينة الغرب الأمريكي، سان فرانسيسكو عصر يوم الأربعاء وجهة مدينة العبور باريس، قاطعة أجواء الولايات المتحدة الأمريكية، فالمحيط الأطلسي، فشمال أوروبا، وصولا إلى مطار العبور،شارل دوكول بباريس.

     ما أن غادرت محطة الوصول 2E حتى بدأت في طلب محطة الذهاب 2F وجهة مدينة دبي، كما هو مرقون على تذكرة السفر، لتواجهني مسافة سير على الأقدام، يَحسب لها مختص برياضة العدو الريفي ألف حساب، ناهيك عن مسافر قطع أكثر من عشرة آلاف كيلومتر بالأجواء العليا، من دلوك الشمس إلى طلوع النهار، لأكثر من تسع ساعات. انسلخ فيها المَلَوَان، وتبخر يوم بأكمله عبر الأمصار وأطياف الألوان.

     بهذا المطار العجيب الغريب، مطار شارل دوكول بباريس، عاصمة النور، وبرج إيفل، وحضارة موليير... واجهتني مواقف بسيطة الطلب، حاسمة الغرض،لو حكاها لي غيري لما صدقته. كنت كلما طلبت مساعدة مسؤول بالمطار" ممن يحملون شارة طبعا " عن وجهة محطة الذهاب 2F بما فيهم البوليس، إلا ورفع أنفه إلى الأعلى، ملوحا بإحدى يديه باتجاه غير معلوم، منصرفا كمن يتقي لسعة زنبور.

    خوفا من أن يداهمني الوقت، وجدْتُني أحث الخطى خلف أسراب المسافرين، إلى أن وفقني الحظ لاكتشاف مدخل محطة 2F المكتظ بمختلف المتوجهين إلى دول العالم الآخر. ]والناس درجات[

     ما أن استقر بي المقام بمحطة وجهتي " دبي "، حتى تفقدت هاتفي النقال من أجل طمأنة الأهل على مكان وجودي لأفاجأ بفراغ البطارية. اختلفت على قاعات المحطة المنتشرة بالطابق 2F بدءا من قاعة وجهتي، أبحث عن مأخذ كهرباء وبدون جدوى. ترددت على أصحاب الحوانيت حولها ولا مجيب وكأن بي ما يريب. توددت المسافرين لكن لا حول لهـم لا من بعيد من قريب. إلى أن أشير علي بالالتجاء لمكان بريد بأقصى المحطة،لأجد شابة كستنائية البشرة، تلتهم سندوتشا على الطريقة الأمريكية، تتطلع إلـيَّ وكأنني ثعلب "حكايات لَفُونطين " يحتال لاختطاف جبنة الغُراب القابع فوق الشجرة، لترد وبدون اكتراث... أن ليس هناك سوى مأخذ كهرباء واحد، معطل... ومبطل... أين مني خدمات المطارات الأمريكية ؟ !

     ما بين الحيرة والضغط الجوي، اعتراني اكتآب لم أعتده من قبل، وأنا الذي وكيلي الله وحسبي. وكذلكم علمتني الأيام بقسوتها مجابهة الأوضاع ومقارعة الأحوال، وحسن الانضباط وعدم الانخراط في لعبة المفاجآت التي توصل إلى غيهب الإحباط. بالرغم من كل هذا كدت أفقد الاتجاه، لولا لطف الله.

     جاء وقت ركوب الطائرة الفرنسية المتجهة نحو مدينة دبي. وإذا بنا ننـزل تحت رحمة الأمطار،من على سلم حديدي عالي الدرجات، لنتكدس داخل حافلة تقلنا إلى جناح آخر ]الجالسون بها شباب والواقفون شيوخ[ــــ ما ذكرني بالأخلاق الأمريكية ــ عفواــ بل بالقوانين الأمريكية الفاعلة ــــ لنصعد سلما مماثلا لسابقه بالتمام والكمال، من أجل أن تقلنا طائرة فرنسية أخرى، قاطعة بنا أكثر من سبع ساعات فوق أجواء أوروبا، فتركيا فأرض الرافدين، لتحط بحفظ الله ورعايته بمطار مدينة دبي الفيحاء شرقا،حوالي الواحدة من صباح يوم الجمعة،مقابل الواحدة نهارا من يوم الخميس بمدينة سان فرانسيسكو غربا. بذلكم يتبخر يوم الأربعاء بالكامل، ما بين المحيط الهادي والخليج العربي، بفارق اثني عشرة ساعة على ميناء الساعة ويوم كامل على سطح الكرة الأرضية. الشرق يغمره الليل والغرب يعْمُره النهار. فسبحان الله الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.

     وإذ ما زلت أشعر بالإرهاق لمخلَّفات ما عانيته بمطار شارل دوكول، بدأت أتأهب  لمواجهة ما يمكن أن يصادفني بمطار دبي... لكن الله سلم. فقد وفرت لي ابنتي وزوجها هناك من المساعدات ما جعلني أستعيد صوابي وأرتاح بين أهلي وأحـبابي] لاغيَّب الله عنكم أصحاب الكلمة النافذة[. زادني طمأنينة وراحة بال، ذلكم الجمركي الشديد بياض الثياب،المعمم بأخلاق العرب الألباب، بكلماته الطيبة وابتسامته العريضة، وأنا أجتاز امتحان بصمات العين، قــــــــــــــــــــوله: " مرحبا بك... أنت معروف عندنا " لأجدني خارج المطار وكأن ما عانيته طول زمن السفر، لم يكن سوى مجرد خبر كان، منبهرا بهالة الأضواء، وجمال المكان، وكأن مدينة دبي الحضارة الحاضرة تستقبلني بأحضان المحبة والوفاء.

ــــ الحضارة أن يكون لك حضور فيما حولك.

أبو ظافر

دبي، 6  دجنبر 2011