لإن طال عمري
لعمرك إنها لرحلة قاصدة إلى الغرب الأمريكي، استعدتُ
معها الذاكرة لأجمل فصول العمر. من إبَّان الصالونات الأدبية، واللقاءات الفنية، والجلسات
الرومانسية، إلى الإبداعات الصوفية... وتذكرت معها رحلة الأستاذ العميد عبد الوهاب
التازي، وهو يحكي بشغف كبير عن جامعة بوركلي كاليفورنيا وسان فرانسيسكو كاليفورنيا،
وسفح واديها "سيلكون فالي" مجمع
جهابذة الإنترنت...
كل صعب يهون، بضيافة الأستاذ ظافر. تتفتح الأبواب الموصدة، وتتوطد الصداقات
الواعدة، وتتجلى الأمور الغامضة ــ فأهل الدار أعرف بمسالكها وأدرى بمكامنها ــ
يحملني رضي الله عنه وأرضاه، إلى عالم المفاهيم على أجنحة اللياقة وأرداف اللباقة ومكامن
المكارم الخلاقة. فالفنون والعلوم ويسر المعرفة
بهذه الأرض، لا قياس لها مع الفارق. ويطوف بي رائدي خلسة ما بين زمـن الكرَّاسة
وزمن تكنولوجيا الحداثة... وهو العارف الملِمّ بماضي الأصالة، ومواصفات المعاصرة ...
ينقلني في ومضة عين، بلباقته الهادفة، وعفته المسعفة، من خلال أجواء كاليفورنيا الشاعرية،
إلى رومانسية "جنان السبيل"، وتقاليد "جنان السبيل" ومفاتن
"جنان السبيل" وجلسات مقاهي "جنان السبيل" المكتظة كل واحدة على
حِدة، بعُشاق المطرب المفضل... مقهى خاصة بأغاني محمد عبد الوهاب، والأخرى بأغاني أم
كلثوم، وأخرى بفريد الأطرش، وهلم جرى..
منذ الأيام اليافعة، وربما قبل ذلك بكثير، والإدمان على سماع أغاني محمد عبد
الوهاب، وَصْفَة تنداح بالأحناء، عبر أوصال الرجاء... فحوانيت المدينة القديمة زاخرة
طيلة النهار بسماع أغاني الخلود. وما بين الثانية عشرة والواحدة زوالا، كانت
الإذاعة الوطنية تقدم بانتظام، حصة خاصة بالأغاني الكلاسيكية. وعند الليل أصطك أذني
إلى مذياعي "الترانزيستور" خلسة المختلس. لأن المذياع وقتها كان يمثل نوعا
من التطاول على الأخلاق. ورغم عامل الزمان، وتوارد الأشجان، ما زلت أتواصل مع محمد
عبد الوهاب حتى بديار العم سام، وأتعشَّقُ كل ما يتغنى به... ويبقى بداخلي على الدوام،
شيء من محمد عبد الوهاب...
وأن تجد نفسك أمام شاب ترعرع بين ظهران الآداب ومشتقات الفنون، متشبع بروح الاستطلاع
وحب المعرفة ـــ مع فواصل العقود ـــ يحفظ
عن ظهر قلب، أغنية كلاسيكية حبلى بلغة عربية باذخة. تمتح من دن المعلقات، وتبوح بأشجان مجنون الفلوات... وصبر جميل بتينة على
شتى المهانات... وأحكام زهير بن أبي سلمى بالمولدات... وجهورية صوت محمد عبد الوهاب
عبر أثير الحياة. نعم ـــ العمل الصالح يرفعه ـــ والأعمال تتميز بالجدية قبل المادية.
وأجرها آت ولو بعد حين...
ويفاجئني الأستاذ ظافر، متسائلا في ابتسامة تنِم عن المعرفة المـقنَّعة بشيء
من التواطؤ... فيما إن كنتُ أعرف مَن يكون صاحب كلمات :
لان طال عمري في الحياة وحيرتي*** وطول اشتياقي وانشغال خواطري...
فكرت مليا، والإحساس يراود الشك باليقين، على أن الاجتهاد أفضل من الابتعاد. ثم أردفت قائلا: ... مطلع
ينم عن شاعرية تضرب في عمق الكلِم، تمتاح من الشعر النبطي، منسوجة على منوال البحر
الطويل، براوي لا يطأطؤ هامته إلا بوادي
عبقر.
ويمازحني مرددا.. أولست أنت يا والدي
من كان أحضر لي يومها، شريطا على وجهه الأول أغنية "جفنه علم الغزل"، وعلى
الوجه الثاني أغنية " لإن طال عمري " واستطرد ينشد:
لإن طال عمري في الحياة وحـيرتي وطول اشتياقي وانشغال خـواطري
فإن رجائي في لقائك ســــــــــلوتي وَصَلْت به ماضي حياتي بحاضري
وعشت أُمَنِّي النفس في آمل الــرجا لعليّ أرضي في الجــوانح شاعري
أنا العاشق الولهان في غمرة الأسى أبوح
بما أخفـــــــيته مــن سرائري
إليك أذعت الســـــــــر بـــــعد
تكتم لأن الهوى يا مــــنية القـــلب آمري
فجودي بوصل فهو غــاية مــأربي فوصلك
إسعــاد لهـــــــــيمان حائر
ألا ليت شعري هل تجيبين مطلبي وأحظى بوصــل منك يسعد ناظري
فأنت ليّ الـــــــــــدنيا تَبسم
ثغرها تُردد
ألحاني وتـــــروي مشــاعري
أوْمَأت بنعم... قصيدة تنسب للأمير عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود. لله دره...
شاعر هزه الوجد فأنشد الشعر العمودي وأبدع ... وهو في الشعر النبطي أثرى وأروع .
ولم يعقِّب الأستاذ ظافر... سَحَبَ من جيبه تفاحة آدم (آي فون)، واتصل مباشرة بالمُفتي "كوكل" من
أجل التأكد من المعلومات... وما أن اطمأنَّ لمرجعية المُفتي "كوكل"
حتى انتشل من خزانة فتاه "يوتوب" أغنية " لإن طال عمري"
لمحمد عبد الوهاب.
أغنية تصدح من حنجرة وعود. وكأن
المغني أراد لها الخلود. موصلا بها الماضي بالحاضرِ .
أنا العاشق الولهان في غمرة الأسى أبوح بما أخفـــــــيته مــن سرائري
رحم الله الشاعر والمغني والمبدع
والموزع.
مع الشكر وكبير الامتنان للمُفتي"
كوكل" ولفَتاه " يوتوب ".
والنط كريك، سانفرانسيسكو،
كاليفورنيا 22 مارس 2012
أبو ظافر
عبد الكريم الوزاني


