Thursday, March 22, 2012


لإن طال عمري



          لعمرك إنها لرحلة قاصدة إلى الغرب الأمريكي، استعدتُ معها الذاكرة لأجمل فصول العمر. من إبَّان الصالونات الأدبية، واللقاءات الفنية، والجلسات الرومانسية، إلى الإبداعات الصوفية... وتذكرت معها رحلة الأستاذ العميد عبد الوهاب التازي، وهو يحكي بشغف كبير عن جامعة بوركلي كاليفورنيا وسان فرانسيسكو كاليفورنيا،  وسفح واديها "سيلكون فالي" مجمع جهابذة الإنترنت...

        كل صعب يهون، بضيافة الأستاذ ظافر. تتفتح الأبواب الموصدة، وتتوطد الصداقات الواعدة، وتتجلى الأمور الغامضة ــ فأهل الدار أعرف بمسالكها وأدرى بمكامنها ــ يحملني رضي الله عنه وأرضاه، إلى عالم المفاهيم على أجنحة اللياقة وأرداف اللباقة ومكامن المكارم الخلاقة. فالفنون والعلوم ويسر المعرفة  بهذه الأرض، لا قياس لها مع الفارق. ويطوف بي رائدي خلسة ما بين زمـن الكرَّاسة وزمن تكنولوجيا الحداثة... وهو العارف الملِمّ بماضي الأصالة، ومواصفات المعاصرة ... ينقلني في ومضة عين، بلباقته الهادفة، وعفته المسعفة، من خلال أجواء كاليفورنيا الشاعرية، إلى رومانسية "جنان السبيل"، وتقاليد "جنان السبيل" ومفاتن "جنان السبيل" وجلسات مقاهي "جنان السبيل" المكتظة كل واحدة على حِدة، بعُشاق المطرب المفضل... مقهى خاصة بأغاني محمد عبد الوهاب، والأخرى بأغاني أم كلثوم، وأخرى بفريد الأطرش، وهلم جرى..

        منذ الأيام اليافعة، وربما قبل ذلك بكثير، والإدمان على سماع أغاني محمد عبد الوهاب، وَصْفَة تنداح بالأحناء، عبر أوصال الرجاء... فحوانيت المدينة القديمة زاخرة طيلة النهار بسماع أغاني الخلود. وما بين الثانية عشرة والواحدة زوالا، كانت الإذاعة الوطنية تقدم بانتظام، حصة خاصة بالأغاني الكلاسيكية. وعند الليل أصطك أذني إلى مذياعي "الترانزيستور" خلسة المختلس. لأن المذياع وقتها كان يمثل نوعا من التطاول على الأخلاق. ورغم عامل الزمان، وتوارد الأشجان، ما زلت أتواصل مع محمد عبد الوهاب حتى بديار العم سام، وأتعشَّقُ كل ما يتغنى به... ويبقى بداخلي على الدوام، شيء من محمد عبد الوهاب...

         وأن تجد نفسك أمام شاب ترعرع بين ظهران الآداب ومشتقات الفنون، متشبع بروح الاستطلاع وحب المعرفة ـــ مع فواصل  العقود ـــ يحفظ عن ظهر قلب، أغنية كلاسيكية حبلى بلغة عربية باذخة. تمتح من دن المعلقات، وتبوح  بأشجان مجنون الفلوات... وصبر جميل بتينة على شتى المهانات... وأحكام زهير بن أبي سلمى بالمولدات... وجهورية صوت محمد عبد الوهاب عبر أثير الحياة. نعم ـــ العمل الصالح يرفعه ـــ والأعمال تتميز بالجدية قبل المادية. وأجرها آت ولو بعد حين...

          ويفاجئني الأستاذ ظافر، متسائلا في ابتسامة تنِم عن المعرفة المـقنَّعة بشيء من التواطؤ... فيما إن كنتُ أعرف مَن يكون صاحب كلمات :

لان طال عمري في الحياة وحيرتي***  وطول اشتياقي وانشغال خواطري...

            فكرت مليا، والإحساس يراود الشك باليقين، على أن الاجتهاد أفضل من الابتعاد. ثم أردفت قائلا: ... مطلع ينم عن شاعرية تضرب في عمق الكلِم، تمتاح من الشعر النبطي، منسوجة على منوال البحر الطويل، براوي لا يطأطؤ هامته  إلا بوادي عبقر.

          ويمازحني مرددا..  أولست أنت يا والدي من كان أحضر لي يومها، شريطا على وجهه الأول أغنية "جفنه علم الغزل"، وعلى الوجه الثاني أغنية " لإن طال عمري " واستطرد ينشد:



لإن طال عمري في الحياة وحـيرتي     وطول اشتياقي وانشغال خـواطري

فإن رجائي في لقائك ســــــــــلوتي      وَصَلْت به ماضي حياتي بحاضري

وعشت أُمَنِّي النفس في آمل الــرجا      لعليّ أرضي في الجــوانح شاعري

أنا العاشق الولهان في غمرة الأسى      أبوح بما أخفـــــــيته مــن سرائري

إليك أذعت الســـــــــر بـــــعد تكتم      لأن الهوى يا مــــنية القـــلب آمري

فجودي بوصل فهو غــاية مــأربي       فوصلك إسعــاد لهـــــــــيمان حائر

ألا ليت شعري هل تجيبين مطلبي        وأحظى بوصــل منك يسعد ناظري

فأنت ليّ الـــــــــــدنيا تَبسم ثغرها        تُردد ألحاني وتـــــروي مشــاعري



         أوْمَأت بنعم... قصيدة تنسب للأمير عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود. لله دره... شاعر هزه الوجد فأنشد الشعر العمودي وأبدع ... وهو في الشعر النبطي أثرى وأروع .

          ولم يعقِّب الأستاذ ظافر... سَحَبَ من جيبه تفاحة آدم (آي فون)،  واتصل مباشرة بالمُفتي "كوكل" من أجل التأكد من المعلومات... وما أن اطمأنَّ لمرجعية المُفتي "كوكل" حتى انتشل من خزانة فتاه "يوتوب" أغنية " لإن طال عمري" لمحمد عبد الوهاب.

          أغنية تصدح  من حنجرة وعود. وكأن المغني أراد لها الخلود. موصلا بها الماضي بالحاضرِ .

أنا العاشق الولهان في غمرة الأسى      أبوح بما أخفـــــــيته مــن سرائري

رحم الله الشاعر والمغني والمبدع والموزع.

مع الشكر وكبير الامتنان للمُفتي" كوكل" ولفَتاه " يوتوب ".

والنط كريك، سانفرانسيسكو، كاليفورنيا 22 مارس 2012

أبو ظافر

عبد الكريم الوزاني


Friday, March 16, 2012



دبي، أطلانتيس

ما بين الشيخ أفلاطون والشيخ محمد ابن راشد آل مكتوم


إذا كانت أطلانتيس الشيخ أفلاطون، قد أُقبرت تحت مياه البحر الأبيض المتوسط منذ سنة 1820 قبل الميلاد، فإن أطلانتيس الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قد رأت النور فوق جزيرة اصطناعية "النخلة " على مياه بحر الخليج عام 2008.

كانت أطلانتيس أفلاطون، مدينة مبنية من النحاس. امتلكت حضارتها تقنيات عالية في التحكم بالطاقة والقدرات النووية. من باب الدلالة على ذلك حسب الأسطورة. يوجد على أحد المعابد المصرية رسم يمثل طائرة نفاثة يركبها رجلين، واحد فرعوني يقال أنه رمسيس الثاني، والآخر غريب اللباس يقال أنه من الأطلانتسيين الذين كانوا يملكون قنابل نووية كانت السبب في تدمير حضارة راما في جنوب شرق آسيا.

استحوذت هذه الأسطورة على خيال الفلاسفة والمفكرين وجعلت منها أحاديث ما زالت سارية التداول إلى يومنا هذا، دون الوصول إلى الحقيقة أو إشفاء الغليل.

أما أطلانتيس الشيخ محمد بن راشد، دبي، فقد أُنشيء حديثا على مسافة ليست بالنائية عن مرفأ مرسى دبي، حيث الأبراج الشاهقة تلتف حول ممر مائي ينْشَقُّ عن الشاطئ الشمالي لبحر الخليج ليعود إلى شاطئه الجنوبي. بينما أنشئت على هذا البحر، جزيرة النخلة، برَدْم ملايين الأطنان المكعبة من الحجارة المخلوطة بالرمال، من أجل أن تُصمم على اليابسة نخلة بجدعها السامق وعروشها المتفرعة، قصد إسكان الإنسان، وجلب السائح لعين المكان.نخلة ذات عروش مترامية. يسوِّرها قوس من الإسمنت والحجارة.

جزيرة رحبة تتميز بشاطئين عن يمين وعن شمال. الشاطئ الداخلي من أجل الاستجمام والاستحمام بعسجد الشمس الدافئة. والآخر للإبحار صوب الأقطار والأمصار. أقيم على المضمار الأعلى عمارة شامخة شاهقة، مرحبة بالزائر والسائح والعابر من رجال الأعمال وممن يطلق عليهم لقب" سْطار"(نجوم الفن).

منتجع أطلانتيس. منتجع لا تضاهيه المنتجعات. عمارة عربية لا كباقي العمارات. بهية الأركان، رفيعة الألوان. يتوسط بنايتها مدخل علوه يطاول أقواس الرومان سموّا، ويجاريها عرضا ويتعداها علوّا. قوس يتفتح على عرصات سامقات الأشجار، خصبة المراتع مخضرة الأفنان، معشوشبة الروابي وارفة الأغصان. تتراقص على أعشابها طيور الحمام وصغار السمان. عصافير تتودد جلال هدهد سليمان.

ما أن يسمح حارس الباب الرئيس بدخول المنتجع، حتى يتهافت مَن بالداخل من الحراس للتعرف على وجهة وقصد الزائر. فحضرة الأطلانتيس لا يسمح بالتهور ولا بالتشرذم ولا بالمجازفة. إن قلت قصرا، فما أعطيته حقه. وإن شئت نزلا، فما أنلته روعته. وإن طلبته متحفا فقد تحدى المتاحف وفاقها عطاء ومقصدا. ـــ قطع فنية لا عد لها ولا حصر... سُريالية تضاهي منحوتات ولوحات الحداثة. ـــ كلاسيكية تباهي روائع الصناعة التقليدية. ــــ استعراضية حينا وسنفونية أخرى. ـــ ثريّات زاهيات الألوان، ملولبات الأغصان، تمتد من السقف في انحناءة ادراماتيكية كمن يتمطى طلبا لتقبيل جبين ضيفه. ـــ نافورات ترمي بزلل يتصبب وكأنه من فوق أجسام بلورية. ـــ حاملات لمجسمات كروية تتراقص مع حركة المياه في غضروفية وجِبلية. ـــ من داخل غرفة النوم تتراءى الحيتان عبر نافذة زجاجية سميكة الحيطان...

حوض الأسماك بمنتجع الأطلانتيس، يكوِّن وحده لوحة قائمة الذات. عبارة عن معرض مجسم لمدينة أطلانتيس أفلاطون، الغارقة تحت مياه البحر الأبيض المتوسط. بأعمدتها المتراكمة بكل الأركان، وأروقتها المتناثرة كيف ما كان، وحجارتها المتبعثرة كبقايا زلزال وركام. حيتان مختلفة الأشكال والأحجام والأنماط والألوان، تسبح في منأى عن شباك الصيادين، بمحاذاة حائط الزجاج السميك الجذران. رافلة في هدوء أعماق البحار والخلجان.

تفضي الواجهات الزجاجية لمنتجع أطلانتيس، صوب شاطئ مترامي الأطراف، تستحم شطآنه بشمس لا تعرف الخفوت. تكتظ على رماله مستحمات وكأنهن حوريات البحر، يحكين أسطورة أطلانتيس وعودة إيزيس..

ليس من الضروري الإقامة بغرف الأطلانتيس. "سمة الدار على باب الدار" كما يقول المثل السائد. ثمن المبيت للّيلة الواحدة، براتب شهر رئيس مصلحة إدارية. مما يدل على الخصوصية والرفاهية ولا ضير...

منتجع أعد للسياحة الأرستقراطية، من أجل راحة عِلِّية القوم من أهل الشرق والغرب. ـــ أطلانتيس ـــ تكامل في كل شيئ ومن كل شيء. تجانس بين الماضي والحاضر، والأنيق والفاخر، والشكل والمضمون، والمنحوت والمبثوث، والفن والمعمار، والهندسة والابتكار. زوايا ودوائر وبنايات آية الآيات. لمسات اختارت أين تكون، واختير لها حيث تكون. يتهافت المتهافتون وقائمة الانتظار تطول ولا شجون...

روعة سياحية ومفخرة عربية. فسبحان الذي جعل منها بدبي آية عمرانية، وجعل بها من دبي منارة عالمية.

لا ينـــــــــزل الـمجد إلا في مواطننا           كالنوم ليس له مأوى سوى المقل

أبو ظافر

عبد الكريم الوزاني