ترسيخ للمحبة و إحياء للمودة
بعد أربع وأربعين سنة
حطت الطائرة بمطار بورتلاند، ولاية أوركون. كل شيء هناك تغير. ضخامة المباني وشساعة الطرقات،كثرة السيارات وحضور مكثف لحافلات الشركات التي تنقل مسافريها، كل إلى وجهته، ناهيك عن الحافلات العمومية والقطار الإليكتروني على السكة الحديد، مع تشعب الممرات واختلاف الاتجاهات.
اختلطت عليَّ الطرقات، بيد أن الخلاص من هذا الوضع، سيتكفل بشأنه العزيز ظافر،الذي سيتولى قيادة سيارة الأجرة، معتمدا بحول الله، فطنته الوقادة، ومستعينا بابتكارات العلم الحديث، باستعمال "نظام مرشد الطريق GPS " .
وصلنا ليلا وجهتنا الأخيرة "هيبو رود". حتى هذه الطريق الغبوية، تغيرت ملامحها، في حين ما زالت شاحنات نقل الخشب من الغابات المجاورة ومعامل النجارة، تمر من هنا باتجاه المحيط الهادي غربا، بينما غطت جانبيها أشجار ضخمة، حجبت خيوط الشمس الدافئة عن فضاءات كانت حدائق الخضروات تتباهى بإنتاج مختلف أنواعها ـــ بانقطاعها انقطع العطاء ـــ فلا ورود ولا زهور ولا خضراوات طازجة، بل مجرد أعشاب برية وأعواد غبوية ورطوبة تتزحلق فوقها الحلزونيات.
فتشت عن دار الأبوين " وورث " حيث كنت أقيم، فلم أستطع التعرف عليها لطول ما نهبت يد الزمان عنفوانها، وشاخت معالمها بشيخوخة ساكنيها. حتى طائر البوم الليلي، بعينيه الجميلتين وريشه الفضفاض وصوته الأرغولي ودوران عنقه "180 درجة"، لم يعد له هناك وجود، لقلة الأشجار المتوسطة الأحجام، ولندرة الجيرة اللائقة المقام.
بعكس ما يخفيه ظلام الليل، وجدنا أنفسنا بأعلى الجبل، بضيافة الإبـن"دانس" بدار بنيت من الخشب الخالص وتدفئتها ببقايا الأعواد المفصلة بطريقة تسهّل استعمالها . تطل النوافذ الزجاجية للدار على سفح شاسع الأرجاء، تتناثر به على مدى البصر، دور الجيران، تتلألأ أضواؤها كنجوم مجرة في عز الليل، يمر بها طريق سيار، تنيره أضواء السيارات والشاحنات التي تتوقف على حين غرة، بين آونة وأخرى، لتعطي حق المرور لغزال شارد أو سنجاب وارد...
على مرمى البصر، تلوح بناية فخمة، بها فندق وملهى ليلي وكازينو للقمار. لم يكن لها وجود بالزمن السالف... الساكنة هنا يحدثني الإبن " دانس" تحسب هذا الكازينو بمثابة ناذر شؤم، جرثومة، حلت بأرضهم وبين ظهرانيهم. ـــ يعود هذا لاعتقاداتهم الكنائسية ـــ
تتفتق الشمس أمامنا من بعد زمن الضحى بوقت غير قليل، طاردة على مهل للضباب الجاثم من حولنا، تتسرب منها خيوط عسجدية الأنوار، بقدر ما يسمح بمرورها التفاف أغصان الشجر، لتتراءى في بعض الأحيان وكأنها ستائر مجدولة الألوان، من كثرة امتزاجها برقراق الندى، ومتعة زقزقة الطير الطنان وتملي الطاووس بمشيته الزاهية، إلى جانب الحركة السريعة لمرور مجموعة الديك الرومي وكأنها تسترق السمع.
لكل غاية مفيدة، فقد سبق وأشرت مرة إلى أن مخالفة رمي النفايات بولاية كاليفورنيا، تناهز 1000 دولار. أما هنا بأوركن، ولاية الشجر العملاق،الرفيع الخشب، والأراضي الفلاحية الشاسعة الأطراف، المتميزة الأوصاف، فالمخالفة أضعاف الأضعاف، تقدر ب 6250 دولار. وهو ما يعبر عن نقائها وجمال حقولها.
ولأن الوالدين طاعنين في السن، فضّل الإبن العفيف "داناس" إحضارهما إلى حيث نقيم بداره، بالرغم من أن الوالد " إيلمير" ما زال يتمتع بقدرت قيادة السيارة بعمر يناهز القرن... أما الأم " إيلسي" فهي تستعين بعكاز قفصي في الحركة والسكون، بيد أن ذاكرتها ما زالت تناقش ذكريات الماضي وأحداث الحاضر.
يخالجك الشعور بالغبطة وأنت ترى هذا الإبن البار، يخفض للوالدين العجوزين، جناح الذل من الرحمة، ويعاملهما كما كانا يعاملاه صغيرا، رافضا وضعهما بدار للعجزة، ماقة للفكرة برمتها. والأروع من كل هذا، زوجته "سوزان" وهي بالتالي أختي بطبيعة مشاركتينا كل على حدة ببرنامج دولي يدعو للأخوة وللمعرفة معا...
سيدة تتمتع بأخلاق سامية، تصرفاتها ضافية، ومعاملاتها صافية. لها مهجة رابعة العدوية، ونسك مريم ابنة عمران، وعنفوان خديجة بنت خويلد.
تلحُّ عليّ سوزان وأنا أودعهم وأودعهم جناني، تلحُّ على أن لا أغادر مدينة بورتلاند قبل زيارة مدينة العرفان، تعني مكتبة تدعى مدينة الكتب، وهي عمارة من عدة طوابق مترامية الأطراف، تضم أكثر من مليون كتاب بكل لغات العالم، الجديدة منها والمستعملة، الحديثة والنادرة، والتي بالإمكان قراءتها بنفس المكان، استعارتها أو اقتناؤها... بالعمارة يوجد مقهى ومطعم. وبما أن المشكل القائم،الحاجة الملحة دائما لموقف السيارات، خصصت المكتبة طابقا بالمجان من أجل ذلك، مقابل شراء أي شيء.
وللذكرى والتفَكُّر، أخذت صورة تذكارية بجانب جرار " آلة حرث " كنت عملت عليها مند أربع وأربعين سنة. حولها مجموعة من الآلات الفلاحية ما زالت شاهدة على الأيام الحالمة، بالرغم من تلاشي بعضها، وكأنها في مخزن تحف.
بفضل الله وبعونه، تكررت رحلة 1967 بهذه السنة 2011، بعد 44 سنة، لكنها لن تتكرر سنة 2067، والحال يغني عن السؤال، فقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا... أملي أن يكررها الأبناء والأحفاد معا، ترسيخا للمحبة وإحياء للمودة.
أبو ظافر
فاتح نونبر 2011

No comments:
Post a Comment