Saturday, April 21, 2012


مدينة الذنـوب SIN CITY

LAS VEGASلاس فيـــــغاس


كالشوق هَوْجاء لا توفي بما تعد *** كالسـراب إذا يـاتـيك يبتعد

ــــــــــ

كنا خمسة زوار، لمدينة الإباحة والقمار: زوجان وشيبة وقار. همنا التفرج والتعرف على مدينة حُبلى بالمتناقضات، قياسا بجمهورية أفلاطون والمدينة الفاضلة للفارابي.


        بينما كان شيخنا يرى ما حولنا قمة من قمم التفسخ والاستهتار... كان أصغرنا يراها وسيلة من وسائل التسلية بواسطة القمار، عن طواعية واختيا

        تُعرف المدينة بعاصمة الميسر عبر أقطار العالم. تغطي مساحتها ما يناهز الثلاثة مائة كيلوميتر مربعم،  من صحراء نفادا، جنوب شرق كاليفورنيا، بمقربة من عاصمة صناعة السينما الأمريكية " لوس أنجلوس".



        ضَعُف الطالب والمطلوب

 يتوافد على كازينوهات مدينة لاس فيغاس، نيفادا، ما يناهز الأربعين  مليون نسمة في السنة. يربطها بخارجها مطار دولي وطرق سيارة لا تفتر لهـا حركة. مدينة الذنوب، كما يلقبها الأمريكان... عاصمة كل الموبقات ولا مجال فيها للصالحات.

        جاءت الشريعة بقصد سد الذريعة، وجاءت الميكيافلية بالغاية تبرر الوسيلة. ذلكم ما يبيحه قانون ولاية، نيفادا، نزولا ــ سلفا ــ عند سلطة رجال العصابات وأصحاب السوابق، وامتثالا لأرباب البلايـين... ولأن محميات الهنود الحمر لا تخضع سوى لأعراف ما قبل الاتحاد، سهَّـل المال أيامها سبل إنشاء مدينة الذنوب ولا عيوب...

        لفضاء الصحراء عالمه السيكولوجي الخاص به ... فعلى عهد الجاهلية كان الصعاليك يُطردون أو يفرون بجلدتهم إلى الجانب المسمى بالربع الخالي، جنوب شرق شبه الجزيرة العربية. وصحراء نفادا حيث مدينة الخطايا، لم تخل أيامها من مثل هؤلاء، مِمَّن أرَّخت لهم السينما الأمريكية، وما زالت أسماؤهم عنوان افتخار، بديار القمار.( قصة بداية نشأة المدينة، يحكيها فيلم "باكسيBUGSY" من إخراج باري ليفسون. بطولة وارن بيتي، أنيت بينينك، هارفي كيتل وبن كينكسلي.)

        مدينة لاس فيغاس، عبارة عن فنادق ومنتجعات ـ كازينوهات. تتميز بتميز الوافد والعابر والمقيم. تشتت على مساحة صالوناتها، آلات المجازفة، وطاولات المقامرة، على عكس قاعات الاستقبالات بفنادق العالم. فلا كراسي ولا أريكة للجلوس، والتعب يُحيل على أقرب مقعد بجانب جهاز القمار، والآلة نفسها تغري باللعب والإستمتاع. وكذلكم يفقد الزائر مفهوم الوقت والمال... ويكون الناتج صفرا، جمعه لا يزيد وضربه لا يفيد ــ ويبقى الصبر المميت، كما تحكي مسرحية صامويل بيكيت... في " انتظار غودwaiting for godot"  الذي لا يعود ولن يعود.

والمرء تفسد عينه الأهواء

        كل الفنادق وبدون استثناء عبارة عن ملاه وأندية قمار. والفنادق درجات، تغري أسماؤها وواجهاتها قبل ولوجها. وهي بالتالي تمثل جلُّها إن لم تكن كلها، إغراء بلا حدود.

 نزل قصر القياصرة: عبارة عن استنساخ لصورة روما القيصرية، بتماثيلها الرخامية، العاريات المناكب ثارة، والمبدية لخصوبة الرجال ثارة أخرى، بما في ذلكم المصارع والفارس والآلهة والقياصرة، ورجال الدولة، أعضاء مجلس الشيوخ... فحاملات تيجان النافورات ــ خالصات الجمال ــ تتدفق على أجسامهن مياه رقراقة، تتبلور زلالا مع انعكاس الأضواء، فالوصيفات المتبخترات على مقربة من غدير، تتراقص أجسادهن كقصب الخيزران. يمشين الهوينى، متباهيات بأنوثتهن الصارخة، تحت سماء زرقاء، يتخلل صفاءها بعض من غمام عابر ــ كل بإتقان ــ يعبرعن روعة النحت الروماني الإغريقي، ومضاهاته رٍفد الماضي ومعطيات الحاضر... أرض معبدة بالحجارة الصماء، تحيط بها محلات تجارية غاية في الأناقة والإبداع، تجاوزت أسعارها سقف الإمتاع...

فندق الأقصر: عبارة عن معرض للحضارة المصرية الفرعونية. مسلات تزينها الكتابات الهيروغليفية. يتصدرها أبو الهول، باسطا ذراعيه بالوصيد. يقال عنه، أنه الفندق الوحيد، الذي من المستحيل الانتحار من أعلاه، أو من خلال نوافذ غرفه ــ بعد الإفلاس طبعا ـــ لأنه  مخروط هرمي لا يتيح فرصة الانتحار.

فندق نيويورك نيويورك: نسخة طبق الأصل من تمثال الحرية المجسم بدلتا نيويورك. بناياته عبارة عن إحدى معالم مانهاتن الراقية. فندق يعبر عن مافيا العاصمة الاقتصادية، للشرق الأمريكي.

فندق مُنْتِ كارلو: يتحدث جليا عن جمالية إمارة موناكو، متباهيا بطراز عصر النهضة، وأناقة وبذخ الأمراء، فيما قبل فرنسا الثورة...

فندق باريس لاس فيغاس: مجسم لبرج إيفل وبنايات القرن الثامن عشر، من حيث تبدوا الشوارع الباريسية القديمة، مرصوفة بطريقة تساعد الخيول المطهمة، على جر عربات ــ أيام زمان ــ من دون أن تنزلق حوافرها. تطل على الأحياء، نوافذ بيوتات، تتراءى من خلفها عبر الزجاج، أطياف توحي بحقبة الإنارة بالشمع والفنار... تحيط بالشوارع، مطاعم على الطراز الفرنسي، تَعْلق رائحة أطعمتها الشهية، أنوف المارة.

منتجع بيلاجيو: ـــ زخرف الحياة الدنيا ـــ  البناء الإيطالي المطعم الأسقف بالزجاج الملون، من تصميم الفنان العالمي (دال شيبولي). تتوسط المنتجع، بركة تحيط بها قرية ساهمة النظرة، جبالها يانعة الخضرة، وأشجارها سامقة الطلعة. بواجهة البناية، نافورة تتمايل أغصان مياهها مع أنغام الموسيقى ، وجلال أشعة الضوء. تتوقف عندها الخلائق، حَلائق، حَلائق، لما بعد منتصف الليل أو يزيد.

 منتجع إكس كاليبور: أبراجه العالية، تنحوا نحو الطراز الإرلاندي، حقبة القرون الوسطى، مزينة بلافتات المحارب المفتول العضلات، والصدر العاري. يتستر بتنورة "أمير دوغال"، وويتمنطق بسيف  "كاليبور" الذي لا يقوى على حمله سواه.

منتجع ماندلاي بـي: واحد من أفخر المنتجعات بالعالم، وأجمل فنادق الغرب الأمريكي على الإطلاق. أبراجه تطل على أحواض للسباحة، تتميز إحداها بشاطئ اصطناعي، تتلاطم أمواجه مُهَدْهِدة ذهابا وإيابا، أجساما بلورية الصفاء، عسجدية الرواء، تتراقص معها العيون ولا تغمض لطلعتها الجفون .

 حلم إبليس في الجنة

فنادق ومنتجعات لاس فيغاس تعد بالمئات. كلها وبدون استثناء انبهار في انبهار. أجواء ليلها كنهارها، تخطف الأبصار، وتشغل الأفكار. ملصقات بحجم الحيطان، عملاقة بطول المباني وعرض البنيان. تصف وصفا دقيقا، العاريات والمغطاة، المغنيات والراقصات. النفاثات في العُقد، وصاحبات الرايات...

بمدخل أحد الفنادق، صممت منحوتة من نحاس، تمثل راقصات عاريات. سوأتهن ناتئات نتوء النهدين. يتمسح عليهن السكارى والمقامرون ومتسولو بائعات الهوى، تبركا وتيمنا وافتآلا. ــ وإذا المصائب أنشبت أظفارها .. ألفيت كل تميمة لا تنفع.

يبقى أننا ننحاز للإبداع

من عاصمة القمار، إلى عاصمة صناعة السينما الأمريكية "لوس أنجلس" في زيارة لشوارع أناقة الأمريكيات كما يقال عنها. لكن، ما عدى أناقة وعظمة مساكن كبار الممثلين بتلال "بفرلي هيل" لن تصادف عبر شوارع المدينة،  سوى عارضات أزياء، ماثلات على الواجهات ومن خلال الملصقات واللافتات. أما الماشيات العابرات، ففيهن المرتديات ، لألبسة  من الفاخرة بمكان، ومن القيمة بأغلى الأثمان، ذات أشكال متعددة الألوان، لا ذوق ولا انسجام بين سروال وفستان، أو قميص حرير أورفيع من كتَّان... خليط من الألبسة، على جسد شقراوات ساهمات الطلعة،  يتألقن نظافة وجمالا، ولا يعرفن للأناقة مجالا. إلا ما قد ندر ...

لا بد من زيارة "عالم ديزني" قبل الارتحال. ونغادر لوس أنجلوس عبر شواطئ كاليفورنيا الجميلة التي لا ينقضي لها مدى، وقوفا بشاطئ أحداث مسلسل " إنذار بماليبو"، مستفيـئين أحضان تجليات طبيعية إلـهية، جعل منها الإنسان الأمريكي، أيقونة مجلية الصفاء، مخضرة النماء. ساهمة ما بين التلال والسفح والشاطئ والبحر. تتألق تحت شمس عسجدية اللون، آيات من أيات الكون.

فصل القول عن لاس فيغاس، ما يردده عنها العائدون...

 " ما يحدث بفيغاس، يبقى بفيغاس"



                                                             أبو ظافر

عبد الكريم الوزاني