Thursday, May 10, 2012


يوجين أونيل



  المؤسس الشرعي للمسرح الأمريكي في القرن العشرين

من مسرح برودواي وصخب نيويورك إلى هدوء بادية سان فرانسيسكو



           أتيحت لي فرصة اقتحام عالم مسرحيات يوجين أونيل المترجمة إلى اللغة العربية، بطبيعة عملي كمدير مساعد بأكبر مركز ثقافي بمدينة فاس، في وقت كانت فيه الترجمة بمصر في أوج عطائها، بدعم من مؤسسة فرانكلين،  تحت إشراف عميد الأدب العربي طه حسين، ومراجعة رواد الآداب وجهابذة اللغة العربية، من أمثال توفيق الحكيم...

          يوجين أونيل، المؤلف والممثل المسرحي الأمريكي الذي ضاهت أعماله الدرامية، المسرحيات الشكسبيرية... ولد بأحد فنادق نيويورك، ومات بأحد فنادق بوسطن. احتفظتُ له ذاكرتي - خطأ -، أنه ولِد وترعرع وتسكع وقضى نحبه بالشرق الأمريكي، ولم يبرحه سوى بحَّارا وجهة هندوراس 1909 ثم جنوب إفريقيا 1910 فأنجلاتيرة1911. ومع الإدمان والسكر وللامبالاة والتسكع بين الفنادق والحانات الرخيصة، أصيب بهاجس الانتحار سنة 1912 وهو ابن 24 من عمره

           ما أن شفي من مرضه حتى بدأ بالكتابة ليألف دفعة واحدة خمس مسرحيات سنة 1913 وينخرط بإحدى فرق الهواة بمدينة برفانس طاون، مساشوست. ليتفرغ للكتابة والتمثيل ويمنح جائزة بوليلتز على مسرحية "وراء الأفق" 1918 ويكتب مسرحية "أنا كريستي" سنة 1920ـ،التي تمثل الغربة والتفكك والانحراف وسيطرة الرأسمالية على كل مناح الحياة. ـــ جائزة بوليلتزرــ ومسرحية "الفاصل الغريب" 1926 ومسرحية "رحلة يوم طويلة في جنح الليل" 1940

 لم يكن لي أبدا بيت ولم تكن لي أبدا جذور. لقد كبرت بالفنادق ... هذا غريب. لكن الوقت الذي قضيته بالبحر على متن باخرة كان هو الوقت الوحيد الذي أحسست فيه أن لي مكانا وأن لي جذورا. ـــ يوجين أونيل ـــ

          إثر زيارتي لسان فرانسيسكو، كاليفورنيا، بدعوة من ابني ظافر، المطلع على  مدى اهتمامي بأعمال يوجين أونيل. أخذني في رحلة منظمة إلى مزرعة ببادية قرية دانفيل، بأعلى قمة جبل كثيف الشجر، وارف خضرةٍ تحيي البصيرة والبصر. يطل على سفح مترامي الأطراف. أوديته ذات ماء وضفاف. تؤلف مع انعكاس الشمس لوحة رومانسية بديعة الأوصاف.

سأكون دائما ذلك الغريب الذي لم يشعر أبدا أن له بيتا. ذلك الذي يحب أن يكون دائم الرغبة  بالموت ــ يوجين أونيل ــ

           فَتحَتْ، جائزة نوبل للآداب سنة 1936، على يونيل، آفاق الاستقرار والرغبة في الاستمرار، بعد أن أصابه السل وأخذ الإنهاك منه مأخذه. فاقتنى ببادية دانفيل،ضاحية سان فرانسيسكو،مزرعة بمساحة 79 هكتارا، حيث قضى أواخر حياته، وكتب بها أروع وأبدع مسرحياته.

          بهذه المزرعة الخصبة، وتحت ضلال الأشجار الفخمة، وبين التلال الضخمة، أقام يوجين أونيل مع زوجته الثالثة  كارلوتا، وابنته أونا، التي اختطفها منه صديقه الحميم الكوميدي شارلي شابلن ابن الرابعة والخمسين، وتزوجها وهي ابنة الثامنة عشرة ونيف.

          طيلة إقامته بكاليفورنيا، اعتزل يوجين أونيل التمثيل لينصرف إلى الأعمال الذهنية الصرفة. فأتم كتابة مسرحية " لمسة الشاعر" 1935/39 ، بعد أن كان يعانى من مشاكل صحية، دفعت به لحرق مجموعة من المسرحيات، ليعود بسرعة إلى كتابة أجود سيرة مسرحية هادفة، عرفها مسرح اللغة الإنجليزية على الإطلاق. فكتب مسرحية " أكثر القصور فخامة " 1936/39. وفي سنة 1939 مسرحية  "مجيء رجل الثلج".  وبين سنة 1940/41 مسرحية "هاكي".  ومسرحية " رحلة يوم طويلة في جنح الليل 1940/41 التي نال عنها رابع جائزة بوليتزر سنة 1956. بعد أن كان  قد رحل إلى العالم الآخر، حيث قضى بأحد فنادق بوسطون، بتاريخ  27 من نونبر 1953 . وما بين سنة 1941/43  كتب  مسرحية " القمر للسِّـفاح". وبعدها لم يعد قادرا على الكتابة، بسبب إصابته بالمرض الرعاش (الباركنسون)، فلم يتمكن معها من حمل القلم بين أصابعه ولا من قيادة سيارته أو الاهتمام بمصالحه الشخصية، في وقت عزّ فيه الطالب والمطلوب بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية.

             حينما كان يوجين يتفرغ للكتابة، كانت زوجته الممثلة كارلوتا تضفي لمساتها الفنية على جدران الدار وأسقفها وأرضيتها وأحواشها ومسبحها المفتوح على مداه .  فأطلقت على الدار  إسم " داوْ هاوس نطقا، وطاوْ هاوس رسما Tao House  نسبة لـ" الطاوية، الديانة الصينية  القديمة التي تقوم في جوهرها على العودة إلى الحياة الطبيعية. وبما أن السيدة مصابة بحساسية الضوء، بلطت الجدران بالطوب الأحمر المائل للبني، والأسقف بالأزرق الخافت، والجدران بالأسود الباهت، ليكون الانعكاس على المرايا مع بزوغ ضوء النهار، سالبا وموجبا في آن واحد. وزيّنتها بتشكيلات طاوية، وأفرشتها على الطريقة الصينية.

تشويه الواقع من أجل التعبير عن المعنى  ـــ يوجين أونيل ـــ  

          كان يوجين أونيل من البداية إلى النهاية، عصامي النشأة، قارئا متفرغا، يهتم بالبحث في أغوار الفلسفات ذات البعد السلوكي. فمنذ فترة المراهقة، قطع كل صلة له بالموروث الكاثوليكي، بعد اكتشافه لإدمان أمه المفرط لجرعات المورفين. قاضيا حياته وراء البحث عن إله جديد غير الإله القديم.  وهو ما تشهد به خزانة المليئة بالأسفار الضاربة في عمق الديانات، وتنم عنه مسرحياته الداعمة لمناخ التغييرات، المتميزة بتشويه الواقع من أجل التعبير عن المعنى، من خلال المشهد المسرحي الصارخ بالفعل ورد الفعل.

          ولد يوجين أونيل في 16 أكتوبر 1888 بأحد فنادق الدرجة المتدنية بنيويورك لوالدين يتجولان عبر الولايات طيلة حياتهما، في عرض ممل ومكرر لمسرحية "كونت مونتي كريستو" لأليكساندر دوما. وزاد في الطين بلة مرض أمه المزمن، بسب إدمانها  للأفيون على إثر وصفة الطبيب المولد إثر ولادتها العسيرة لآخر أبنائها الثلاثة يوجين.





من رحم المعاناة تتولد الحياة

          جعلت قسوة الحياة، والبحث عن الذات، من  يوجين أونيل، أديبا مسرحيا متميزا سخّر أعماله للدفاع عن المثالية والإنسانية والأخلاق النبيلة، في وقت عرفت فيه القيم أدنى الأوضاع وأحقرها .ـــ الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، التي خلفت وراءها الملايين من القتلى والجرحى. وكذا الملايين من النازحين والمشردين والهائمين على وجوههم ــــ استفحال التمييز العنصري الضارب أطنابه إلى ما بعد لوتر كينغ 1968. ـــ ظاهرة التغييرات الاجتماعية، بدءا بالمجتمع الزراعي المحافظ بالجنوب، انتهاء بالمجتمع التقدمي الصناعي المسيطر بالشمال. ـــ ناهيك عن طغيان هيمنة القيم المادية، والتفكك العائلي، وضياع الأخلاق، والخروج عن نطاق كينونة الإنسان وهويته، واستفحال العلاقات المشبوهة إلى درجة زنى المحارم...

دوافع الطموح في هذه الحياة الغامضة لا يمثل سوى ظل خافت في مسرحياتي ـــ يوجين أونيل ـــ

          طموحات ميلودرامية، مستوحاة من عناصر المكان والزمان، سجلها يوجين بأطول مسرحية هادفة: "الحِدَاد يليق بإليكترا" 1929. التي تعبر عن سلوك جنرال منحدر من الشمال، يختلط معه الحابل بالنابل.. وقبلها مسرحية "الفاصل الغريب" 1926/28 التي تركز على سيدة تنجب خارج عش الزوجية من أجل التأمينات الضرورية لزوجها. ومسرحيته الملحمية حول تمازج الأجناس. "كل أبناء الله لهم أجنحة" 1923 التي تصور رجلا أسود البشرة متزوجا بامرأة بيضاء تدمر حياته المهنية الواعدة. ومسرحية " رحلة يوم طويلة في جنح الليل" 1953. التي تعبر عن المأساة بشكل ثابت ومتماسك.

          للمسرح عند الأمريكيين دلالة خاصة. يتهافتون عليه تهافت الجياع على قصعة الطعام، سواء أكان ذلك على الطريقة اليونانية، أو الحذاقة الشكسبيرية، أو الطوباوية الرواقية، أو الحضارة الفرنسية، بالتأنق للذهاب لمشاهدة المسرحية...وأن تكون يوجينية، فذلك أفضل وأصوب... فللحداثة نكهتها الخاصة، ولفلسفة العودة إلى الأصول عند يوجين الكلمة الأصل، ولليوجينيين الكلمة الفصل.

 مؤسسة يوجين أونيل " داوْ هاوس"

          بعد أن باع يوجين ضيعته الفسيحة الأرجاء، ذات المرابع الفيحاء، الجميلة المنظر، الرفيعة المعبر، حيث أفرزت فراسته أروع ما كُتب من مسرحيات في القرن العشرين. استعادتها جماعة من المحبين والهواة والدارسين، وصنفوها بخانة الحدائق الوطنية، تحت طائلة القوانين الفيدرالية. ما قد يعني" الحبوس". فاستفادت من الصيانة والعناية والمحافظة على المقتنيات، وبالأخص مكتبة يوجين، التي تضم أسفار الديانات القديمة، وأعمال فلاسفة العصور السائدة والبائدة. وكذا مقتنيات زوجته الممثلة كارلوتا، الحاملة لبصمات أشهر دور الأناقة بأيامها. كما أن إدارة الحدائق الوطنية، ترتب بانتظام، جولات للدارسين والباحثين، بما في ذلك النقل من المدينة وإليها. بينما يسهر اليوجينيون، أعضاء المؤسسة، على  إعداد البرامج الثقافية والدراسية العملية، واللقاءات التدريبية، والربط بين الجامعات والكليات ذات الصلة، وإعداد العروض المسرحية، وقراءة النصوص وتشخيصها من طرف المحترفين والهواة تحت إشراف ذوي الاختصاص  والمتميزين من الذين لهم اطلاع واسع على مسرح  يوجين أونيل. مع تأمين الحاجيات الضرورية والمتطلبات الأساسية.

كانت القوة الغامضة في حياتي وراء طموحي... ما عبرت عنه ولو بصوت خافت من خلال  مسرحياتي  ـــ يوجين أونيل  ـــ

          بالرغم مما كتبه يوجين عن طموح الإنسان ورغباته، يرى النقاد أنه خلص إلى عمق فلسفة الشرق دون الوصول إلى حاجة رجل الغرب...

          هكذا يكرم العلماء والأدباء والمخترعين والمنشئين وإلا فلا...

إن كل شيء موجود في أعماق الإنسان. نحن نذكره فقط بما لديه­­  ـــ سقراط ـــ



              عبد الكريم الوزاني



الإسم الأصلي  للمسرحيات الواردة بالمقالة لكل غاية مفيدة

وراء الأفق  Beyond the Horizon  

لمسة الشاعر  A Touche of the Poet

أكثر القصور فخامةMore Stately Mansions 

مجيء رجل الثلج The Iceman comth 

هايكي   Hughie

القمر للسفاح  A Moon for the Misbegotten  

"أنا كريستي" سنة Anna Christie

 "الفاصل الغريب" Strange Interlud  

"رحلة يوم طويلة في جنح الليل" Long Day’s Journey Into Night

Mourning Becomes E lectra " الحِدَاد يليق بإليكترا"

All God’s Chilllun Got Wings" كل أبناء الله لهم أجنحة "