Saturday, November 19, 2011

ليكن هناك ضوء
Let There Be Light

     مايكل إيسكوبار"Michael Escobar" زميل في العمل للعزيز ظافر، بإحدى كبريات شركات التأمين" هارد فوردTHE HARTFORD ".  شاب في مقتبل العمر،  له مظهر آسيوي وتصرف أمريكي، أنيق الطلعة، فصيح التعبير، يحب الحديث باللغة الفرنسية، رفيع القول، واسع المعرفة، يتكلم عن علم واطلاع، ابتداء من الثورة الفرنسية إلى ثورة جامعة بركلي"Université de Berkeley 1964ـ 1965"، وهو بالتالي أحد خريجيها، مذكرا بالاحتجاجات الطلابية الغير المسبوقة في ذلك الوقت، والتي أسفرت عن رفع الحضر عن الطلبة داخل الحرم الجامعي، وكذا الأنشطة السياسية والاعتراف بحقهم في حرية التعبير والحركة الأكاديمية، مفتخرا بالانتماء لهؤلاء الثوار، ومعبرا عن ذلك بحماسة الشجعان...
     يعود بنا مايكل،إلى حقبة الستينات، يقودنا في أول زيارة للحرم الجامعي لمقر السكن الذي كان يقيم به. " كل الحريات مباحة في هذا المبنى العتيق" على حد قوله. وإذا بنا أمام بناية قديمة قدم الجامعة، متداعية الحيطان، مترهلة الأبواب المغلقة، مفتحة الأرجاء بالداخل على كل أشكال الحريات.
      طرق الباب... وما لم يرد أحد... اقترب من نافذة تطل على الداخل طالبا فتحها، فإذا بأحدهم "هيبي"، (حركة شباب 1960)، يفتح الباب ثم يعود أدراجه من حيث أتى، وكأنه على عجلة من أمره.
     ندخل المبنى، فإذا به ما زال على حاله كما كان، يقول مايكل... تغيرت بعض الملصقات، والرسوم على الجذران، وبعض الصور الفوتوغرافية التي يتقاسم أحجامها العري إلى جانب المستورين بطفيف الثياب... هناك على الحائط الأمامي،  رسم الثائر تشيكي فرا، يدخن سيجاره الكوبي، ويضع على رأسه برنيطته السوداء. ألصق أحدهم بأعلى اللوحة، لافتة صغيرة، كتب عليها ـــ ممنوع التدخين ـــ في حين أن الجالسين  بحوش المبنى، من بنات وأولاد، يتقاسمون السيجارة، ويتداولون القبلات الشبه بريئة... "عند أبواب الحريات، جليلة هي المحظورات، يقول صاحبي...
     ونستهل زيارة جامعة بوركلي، بدءا وختاما بالشارع الرئيسي المحاذي لها، بأسفل الجبل،حيث تستقر مبانيها المطلة على منظر يجمع بين الأرض والسماء والخضرة والماء، والهندسة وروعة البناء.
     على مرمى البصر، مدت بين مدينتي بوركلي وسان فرانسيسكو قنطرة  عملاقة صممت من الحديد الصلب، تدعى "القنطرة الذهبية" لتضفي على الموقع، هالة من الجلال الباهر والمنظر الساحر،خاصة عند الأصيل وحين الغروب.
     لكثرة اختلاط الأجناس هنا، لم تعد ترى إلا ناذرا، كما كان عليه من قبل، ذلك الأمريكي الأشقر، الفارع الطول، العريض الأكتاف. اختلطت الأجناس، فأنجبت كوكتيلا مختلف الألوان والأشكال والأحجام، طباعا أمريكية ونكهة عالمية.
     بالشارع المحاذي للجامعة، تثيرك حيوية في الحركة ورتابة في المظهر، والعكس صحيح، خلق مختلف البشرة والهالة والحالة والملبس والهندام، كل على شاكلته، سكارى وما هم بسكارى، عراة وما هم بالعراة، حفاة وما هم بالحفاة. تشم رائحة "الهيبيزم" أو التحرر من البداية إلى النهاية، بوهميون  مدى الفراغ، ملتزمون حتى النخاع...، منهم المار على عجل، والسائر على مهل، والممدد على بسطة الرصيف العارية، ملتحفا الجرائد وجاعلا من الصناديق الفارغة وسائدا، متحملا كل أشكال الألم، منهم القارئ لكتاب،أو بائع للمستعمل منها، كما الآكل لساندويتش من الكباب، والشارب بزجاجة تسيل لرأيتها اللعب، والمفتش عن ضالته بقمامة الزبال، والجالس القرفصاء متسولا بواسطة يافطات، كتبت بأحرف الإنس، وطلاسم الجان، مختلفة الأشكال والأحجام، وفيهم المشهر بالتحف ومختلف أشكال العلب. المباني ليست بالعالية، ولا هي بالمنخفضة الواهية. يطل من شرفة إحداها ، تمثال سافر الجسد، رخيص العراء، رافعا إحدى ذراعيه إلى الأعالي، خافضا الأخرى باتجاه الأهالي. مطاعمها وكأنها حوانيت لكل أشكال المأكل والمشرب. أسيوية، أوروبية، هندية، طيوانية، عربية، واللائحة تطول. تقدم بنكهة وطقوس ـــ عالم الورق ـــ خدمة أمريكية، ملفوفة بالورق، أو مقدمة على طابق من ورق، بدون إسقاط ولو جزء بسيط من هذا الورق بردهات المقاهي أو على أرض الشارع، هناك حاويات على طول الشارع ومن حوله ـــ النظافة أساس الحضارة ـــ هاجس يسكن أعماق أعماق الأمريكيين.
     جامعة  كاليفورنيا، بوركلي،أسست عام 1868. وهي إحدى أقوى كبريات الجامعات الأمريكية وأهم الجامعات في العالم بما في ذلكم أكسفورد وهارفود. من كلياتها، الطب، الصحة العامة، الهندسة، التربية، التصميم، اللاهوت، التربية المستمرة، الأعمال، الإدارة الحكومية، الطاقة الذرية ومعهد راد كليف.
      تخرج منها كبار العلماء والمبدعين، من بينهم، بعض من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، كما كبار القضاة ومدراء كبريات الشركات ورجال الأعمال.
     تميز أساتذتها الباحثون بشرف حصاد 22 جائزة نوبل في شتى المجالات.  وأنت تتجول داخل الحرم الجامعي  تواجهك أمكنة خصصت لموقف سيارات الفائزين بجائزة نوبل، بها لافتات حديدية كتب على كل واحدة منها إسم الأستاذ الفائز. بما فيهم حامل جائزة 2011، أستاذ الفيزياء وعلم الفلك، البروفيسور، صول بيرلميتر SAUL PERLMUTTER الذي عبر في الخطاب التقليدي، في حفل تسليمه الجائزة، عن غبطته العميقة، لأن الجائزة خولت له مكانا خاصا بموقف سيارته بالحرم الجامعي.
     جامعة لا كالجامعات، أضخم بناياتها وأروعها تحتضن أكبر المكتبات الأمريكية، حجما وكما وعطاء. مدينتها لا كالمدن، طباع وتطبع، أناقة وتسكع. تأخذك الغيرة تارة والشفقة أخرى...
أن تكون مبدعا فنعم، وأن تكون متسكعا فلا...
جامعة شعارها " ليكن هناك ضوء "
أبو ظافر
بوركلي 19 نونبر 2011

No comments:

Post a Comment