مَركَز جَامِع الشَّيخ زَايِد الكَبِير
مَسجِدٌ تُضِيئُهُ الأهِلّةُ لَيْلاً
يَا بَانِيَ الصَّرحِ هَذا الصَّرحُ مَفخَرَةٌ رَمْلُ الضِّفَافِ وَمَاءُ الْبَحرِ يَــشْهَدُهُ
أرجَاؤُهُ كَحَرِيرِ الْــــــهِنْدِ نَاعِــــــمَةٌ كَــأنَّــهَــا مَــرمَــرٌ وَاتَــاهُ مــقْصِدُهُ
أبُو
ظَبْيْ، الإمَارَات العَرَبِيَة المُتّحِدَة، مَدِينَةٌ جَمِيلَةٌ، فَسِيحَةُ
الأرجَاءِ، عَلِـيلَةُ الأجْوَاءِ، مُدَّتْ عَلَى جَنَبَاتِهَا قَـنَاطِرٌ جَعَلَتْ
مِنْهَا مَدِينَةً سَاحِلِيَةٍ أكثَر مِنهَا شِـبْهُ جَزِيرَة.
وَكَذَلِكً
هُمُ الإمَارَاتِيُّون، يَجعَلُونَ مِنْ رِمَالِ الصَّحرَاءِ عِمَارَات وَمِن ضِفَافِهَا
مَجَارٍ وَبُحَيرَات ... كَمَا هُمْ عَلَيْهِ الْهُولَـندِيُّون، يَرُدُّونَ الْبَحرَ
إِلَى الْوَرَاء.
وَأنتَ
تَدخُلُ عَاصِمَةَ الإمَارَات العَرَبِيَة الْمُتّحِدَة ـ مَدِينَةُ أَبُو ظَبْيْ
ـ تُطَالِعُكَ هَضَبَةٌ مُتَرَامِيَة الأطرَاف بِمَسَاحَةِ خَمْسَةِ مَلاَعِب كُـرَة
القَـدَم أوْ يَزِيد... أقِيمَت عَلَيْهَا تُحفَـةٌ مِعمَارِيَةٌ قَـلِيلَةُ المِثَالِ،
إنْ لَمْ تَكُـنْ فَـرِيدَة الْمِعمَار... قِبَبٌ كَأنَهُنَّ بِيضٌ مَكنُون...عَدَدُهُنَّ
ثَمَانُون وَإثْنَتَانِ عَلَى رَسـمِ عُـرجُون. قِبَبٌ تُوحِي بِهَيْأَةِ قِبَبِ مَسَاجِد
وَأضْرِحَة الْأوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِين بِبِلَادِ الْمَغرِبِ الْأقْصَى. مِئذِنَاتُهَا
الْأربَع المُحِيطَة بِالْمَسجِدِ الْكَبِير، بِعُلُوِّهَا السَّامِق"107م"
وَجَوَامِيرِهَا المُرَصَّعَةِ بِأَهِلَّتِهَا الْمُذهَّبَة، تُبَاهِي مُضَاهَاةً أجمَلَ
مَآذِنَ الْمَعمُورِ ـ مَعلَمَةٌ ذَات هَيْبَة وَجَلَالٍ وَقِيمَةٍ وَمقَام،
تَجعَلُكَ تَغفَلُ عَمَّا حَوْلَكَ مِن مَكنُونَاتِ مَدِينَة أَبُو ظَبْيْ الْفَارِهَة ـ
تَنعَكِسُ
خُيُوطُ الشَّمْسِ الْعَسجَدِيَةِ عَلَى الْبَيَاضِ النَّاصِعِ لِلْقِبَبِ وَالْمَآذِنِ
الْمَمْهُورَة بِصَفَائِحَ مُذهَبَة، وَكَأنَّهَا هَالَةٌ مِن نُورٍ، أضْفَتْهَا
السَّمَاءُ عَلَى رَوْنَقِ المَنظُور.
عِندَمَا
يَأتِي الْمَسَاءُ، يَنصَهِرُ عَلَى الْقِبَبِ الْمُتَوَاتِيَةِ، رَدَادٌ مُتَدَاخِل
الضِّيَاء، وَكَأَنّهُ غَمَامَةٌ مَجْلِيَة الرَّوَاء، زَرقَاءُ بِلَوْنِ
السَّمَاء، رَمَادِيَةٌ بِهَالَةٍ بَيْضَاء، تَتَفَاعَلُ وَتَتَمَاهَى تَبَعاً لِتَوَارُدِ
النّجُومِ لَيلَة بَعدَ أخرَى، وَمَجِيءِ أهِلَّةٍ وَبُزُوغِ أقمَار، إلَى أنْ يُخَالِجَهَا
بَدرُ التَّمَامِ فَتُضِيء ، وَتُطَالِعَهَا أشِعّةُ الشّمْسِ فَتَفِيء... لِتَوَارُدِ
الْغَيْمِ عَلَيْهَا مَنَاظِر تَحكِي ابْتِهَالَاتٍ لَا تُحصَى وَلَا تَنقَضِي. تُدَاعِبُ
الأسطُحَ بَعدَ الْمَغِيبِ، هَالَاتٌ فَنِّيَةٌ آتِيَةٌ عَـبْرَ مَسَافَاتٍ ضَوْئِيَةٍ
عَن طَرِيقِ أشِعَّةٍ إلِيكْتْرُونِ الْلّازِير، المُثَبَّتَةٌ بِجَـوْفِ أعـمِدَةٍ
مُتَقَابِلَةٍ مِن كُلِّ الزَّوَايَا وَالْجِهَات، صُمِّمَتْ عَلَى نَمَطِ أعمِدَةِ
مَسجِدِ حَسَّانْ بِمَدِينَةِ الرِّبَاطِ عَاصِمَة الْمَغْرِبِ الإدَارِيَة، تَتَفَاعَلُ مِن خِلَالِ
تَحَكُّمِ الْكَاشِفَاتِ الضّوْئِيَة بِمَقَادِيرِ اللّوْنِ المَطلُوب جُمْلَةً وَتَفصِيلاً.
لتُكَوِّن لَوَحَات تَجْعَلُ مِن وَقتِ بُزُوغِ الأهِـلّةِ أصِيلاً، وَمِنَ اللّيلِ
الطَّوِيلِ لَيلاً ضِلِّيلا.
بِالْجَنَاحِ
الشَّمَالِي لِلْمَسجِدِ، مَبنَى ضَرِيحِ بَانِي دَوْلَة الإمَارَاتِ
الْعَرَبِيَةِ الْمُتَّحِدَة، صَاحِبُ الْمَقُولَة الشَّهِيرَة " مَن لَا مَاضِيَ
لَهُ لَا حَاضِرَ وَلَا مُستَقْبَلَ لَـهُ" الشَّيْخُ الإمَام زَايِد بن سُلْطَان
آل نهْيَان. تَغَمَّدَهُ الله بِرَحمَتِه.
تُحِيطُ
بِالْمَسْجِدِ مِن الْجِهَاتِ الأِربَعِ، بَاحَاتُ مَوَاقِفَ تَتَّسِعُ لِلْعَدَدِ
الْعَدِيدِ مِنَ السّيَارَاتِ. وَبِالرَّغمِ مِن ذَلِك، فَقَد لَا تَجِدُ مَوْقِفاً
لِسِيَارَتِكَ لِكُثرَةِ الوُفُود، نَاهِيكَ عَن الْحَافِلَاتِ الْمُقِلَّةِ لِلسُّيَاحِ
الزَّائِرِين، مِن حَيْثُ تَتَدَفَّق مِنهَا السَّيِدَاتُ الْأجنَبِيَاتُ بِمُختَلفِ
أَلْوَانِ بَشرَاتِهِنَّ وَحمْسَةِ أجنَاسِهِنّ، ضَارِبَاتٌ بِخُمُورِهِنّ عَلَى جُيُوبِهِنّ،
مُرتَدِيَاتٌ عَبَاءَات سَوْدَاء فَضفَاضَة تُغَطِّيهِـنَّ مِن قِمّةِ الرّأسِ إلَى
أِخمَصِ اْلقَدَمَين (جَعَلَتهَا فِي مُتَنَاوَلِهِـنّ إدَارَةُ الْمَسجِد)،
سَيِّدَاتٌ تَمْشِينَ الْهُوَّيْنَى، مُنغَمِسَات بالْتِقَاطِ الصُّوَرِ التِّذكَارِيَة،
بادِيَات الْغِبطَة فِي حِشمَةٍ وَحُبُور، تَتَرَاكَضنَ عَلَى صَرحِ الجَامِعِ الْفَسِيحِ
الْعَرِيضِ الْمُبَلّط بِرُخَامٍ مُزَخرَفٍ بِمُنَمْنَمَات الزُّهُورِ وَأغصَانِ
الْيَاسَمِين.
عَنِ
يَمِينِ وَعَـن يَسَارِ الْجَامِعِ مَمَرّات تَمْتَدُّ عَلى مَـدَى حَامِلَاتِ الْأقْوَاس.
أعمِدَتُهَا مِنَ الرُّخَامِ الْمُلَـبَّسِ
بِوَرِقِ مِن ذَهَب الرَّنَّان، تِيجَنُهَا أكَالِيلٌ مُقَربَصَةُ
كَالْعِقْيَان.
القُبّةُ
الرّئِيسَة بِارتِفَاعِ 70 م بالدّاخِلٍ و85 م مِن الْخَارِجِ. مَفخَرَةٌ
إسلَامِيَةٌ تَكَادُ تَكُونُ الأفسَح عَلَى الْبَسِيطَة. سَـقفُهَا خُرُومٌ مِنَ
الْجِـبسِ الْمُطَعّمِ بِزَخَارِف زَاهِيَة الْألْوَانِ، يَنعَكِسُ وَهَجُهَا عَلَى
بِسَاطِ سُجّادٍ إيرَانِي لَا تَشَقُّقَ بِهِ وَلَا صَدَع وَكَأنّهُ نُسِجَ عَلَى
أرضِيَة الْجَامِع، تَتَمَاهَا مَعَ مَا عَلَى السّقفِ مِن رُسُومٍ زَاهِية.
تُنِيرُ
هَذِه الْقبّة الْبَهِيَة، سَبعُ ثُرَيّاتٍ مِن الْيَوَاقِيتِ وَالذّهَبِ الْخَالِصِ
مِن العِيّارِ النّاذِر، يُزِينُهَا الْكرِيستَالْ الْمُلَوّن مِن طِرَاز شْوَارُوفيسكِي.
الثُّرَيَّا الرَّئِيسَة، تطِلُّ مِن عَلَى عُلُـوٍّ عَشَرَاتِ الأمْتًارِ. تًشْرَئِبُّ
نَحوَهَا الْأعنَاقُ وَتَتَمَلّى بِطَلْعَتِهَا الأبصَار وَتَنبَهِرُ لِجَمَالِهَا
الْأفكَار. قُطرُهَا يُنَاهِزُ الْعَشَرَة أمْتَارٍ أوْ تَزِيد. حُمُولَتُهَا
مَا فَوْقَ الْعَشَرَاتِ مِنَ الْأطْنَانِ
مَسبُوكَة من الْكرِيستَالِ المُحَلّى بِأحجَارٍ تَبدُوا كَرِيمَات الْعِيّار، يَتَخَلّلُهَا
الْعَقِيقُ الْأحمَرُ الْقَانِي وَلْلَازُوردِي الْبَاهِت وَالْأخضَرُ الْفَاخِتُ،
أطيَافُهَا تَتَنَاغَمُ مَعَ تَمَوُّجَاتِ الزّجَاجِ الْعِرَاقِي. تُحفَةٌ تَتَبَاهَى
أمَامَ الْمَارّةِ مِنَ الحُجّاجِ، وَكَأنّهَا مَجَرّةٌ بِالسِّمَاكِ الْأعلَى فِي
صَوْلَةِ عُبُور. يَخَالُ الْمَاشِي تَحتَهَا، أنّهَا آيِلَةٌ للسُّقُوطِ ، لِضَخَامَةِ
حَجمِهَا وَتَمَوُّجِ حَرَكَتِهَا.
هَذِهِ
الْقُبّـةُ الضّخمَة تَتّسِعُ لِأَكثَـر مِن سَبعَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُؤْمِنِين. وَالمَسجِدُ
بِرُمَّتِهِ يَتّسِعُ لِأكثَر مِن أربَعِين ألْـف مِن الْمُصَلِّين بِأيَّامِ الجُمُعَةِ
وَالْأعيَادِ. أمَّا الْمَسجِدُ الْمُخَصّصُ لِلصّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَيَستَوْعِبُ
لِوَحدِهِ مَا يُعَادِلُ ألْفاً وَخَمْسِ مِائَةٍ مِنَ الرِّجَالِ وَمِثـلُ ذَلِكَ
بِالنِّسبَةِ لِمَسجِدِ النِّسَاءِ.
مِحرَابُ
الْقَاعَةِ الرّئِيسِيّةِ لِلْجَامِعِ، عِبَارَةٌ عَـن مَنحُوتَةٍ مُجَسَّمَةٍ مِنَ
الرُّخَامِ وَوَرَقِ الذَّهَبِ الْخَالِصِ. جَنَاحَيِ الْمِحرَاب بِالْحَائِطِ الْأمَامِي
عَلَى عَرضِ الْقَاعَةِ، رُصِّعَا بِألْوَاحٍ مِنَ الرُّخَامِ الْصّافِي، نُحِتَ عَلَى
كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهَا بِالْخَطِّ الْكُوفِي الْبَارِزِ، إسمٌ مِن أسمَاءِ اللهِ
الْحُسنَى، فِيمَا رُسِمَت آيَاتٌ قُرآنِيَةٌ وَزَخَارِفَ إسلَامِيَة عَلَى كُل الْجُدرَانِ
وَالْمَسَالِكِ وَبِدَاخِلِ الْأقبِيَةِ وَبِكُلِّ رَدَهَاتِ الْجَامِعِ.
مَسجِدٌ
جَامِعٌ تَتَبَاهَى فِيهِ الْقِطَعُ الْفَنِّيِةُ بِانْتِسَابِهَا لِلْأسرَةِ
الْعَرَبِيَة وَالْهُوِيَةِ الْإِسلَامِيِةِ.ـ مُستَطْرَفٌ مِن كُلِّ قُطرٍ مُستَظرَف
ـ
رَحِمَ
اللهُ الشَّيخ زَايِد بِرَحمَةِ الصَّالِحِين الْمُقَـرَّبِين، وَبَارَكَ فِي الْبَاقِين.
فَقَد كَانَ عَاشِقاً لِكُـلِّ مَا هُوَ رَفِيعٌ وَثَمِينٌ... وَمَا خَيَّبَ اللهُ
ظَنَّهُ بِالْبَاقِـين.
No comments:
Post a Comment