دبي، شارع المشائين
شوارع دبي، ليست كالشوارع التي تعوّدنا عليها. جُلها إن لم تكن كلها طرق سَيَّارة، لما بين أربعة أو ستة ممرات من كل جهة. أو طُرق ملتفَّة حول الفنادق والمؤسسات ذات الأبراج الشاهقة. شوارع تقِل بها حركة الراجلين، باستثناء بعض الممرات كممرات مرسى دبي"DUBAI MARINA" الخاصة بالمطاعم والمقاهي، بدون سيارات. أو شارع جي.بي.أر " jbr" الرافد لما حوله من الشوارع والحارات.
كل شارع من شوارع دبي، يتميز عن الآخر بحسب المؤسسات التجارية الموجودة به، الحاملة لأرقى بصمات العلامات التجارية الدولية. ـــ إسم على مسمى ـــ لكل بضاعة رمز ولكل رمز ثمن.
لا توجد عمارة ومبنى، ومتجر وممر، وحارة ومقهى، ومطعم أو دوْرة مياه، إلا وبها عامل أو معسكر نظافة. فيما حاويات النفايات موزعة بكل الاتجاهات ـــ هيئة المحافظة على البيئة بدبي في يقظة تامة. لا تهاود ولا تردد ولا توددـــ
قبالة ضفاف مضيق هرمز وخلف أبراج مرفأ "مرسى دبي" وعلى مرأى من أبراج الفنادق الفاخرة، ومتاجر الألبسة الراقية، ودور العطور الناذرة، يتراءى شاطئ البحر برماله المكحلة ببخور البترول. يتوارد علي الشاطئ بين الفينة والأخرى، بعض المهتمين بالتزحلق على الماء، أو العابرين بيخوتهم الفاخرة. تصطف حول رماله سيارات الوافدين المتوجهين لفنادق السائحين، أو صوب شارع المشائين.
شارع بعرض ضفاف البحر. منبسط الرصيف، معبد بصعيد يسهل المشي علي منحدره. يتلفَّعُ ما بين الشاطئ والفنادق، يُدعى شارع جي.بي.أر " jbr" . فتشت عن مفهوم اختصار الكلمة، فاقتادني إلى أن الأسماء بدبي، تُكتب بالعربية ووردت بالانجليزية تبعا للأصل. وهو مفهوم تجاري دكي، كي لا تتعدى الترجمة حدود المقصود منها. وقد تكون تسمية تخص المجموعة التجارية التي تدير الأبراج المحيطة ـــ وللتجارة أصولها ـــ
لكثرة ما يزدحم الناس حبا في المشي على هذا الرصيف، عند العشي ووقت الأصيل، بدون كلل ولا ملل، صعودا وهبوطا. اخترت له لقب " شارع المشائين". ـــ والمورد الحلو كثير الازدحام ـــ.
تجمعت على طول الشارع، كل أصناف المطاعم بكل الأذواق والنكهات العالمية. بين كل مطعم ومطعم، شرفة مطعم، تفوح منها رائحة الطبخ من خلال اللافتات المعروضة عليها. بين مطعم وآخر تفاجئك واجهات حوانيت تصطاد بمعروضاتها، المنتظرات دَوْرَ حجوزاتهن على مائدة الطعام.
ما بين البنايات والشارع، ممر باتجاه واحد، قد يضيق لمرور سيارة واحدة. تجتازه بين حين وآخر، سيارة من طراز: البانتلي، أو الرولس رولس، أو الفيراري، فما فوق ... ثم تلتفُّ وتعود. ـــ وكل رأس تعجبه طناطنه...
إلى ما بعد الزوال، يكون الشارع شبه خال إلا من بعض الفيليبينيات اللواتي يلاعبن أطفال سيداتهن الجالسات على كراسي الرصيف، بانتظار وقت الطعام. ويا صبر أيوب، من أجل حجز طاولة الغداء ولو لوقت العشاء. وَاحْكِ ما تشاء، عن وقت ما بَعْدَ زوال يوم الجمعة وعصر يوم السبت. ولا الرَّاوي لها...
بشارع المشائين، المتضوع بأريج عطور تفوح من شقراوات وسمراوات وأخريات بشرتهن ببشرة بلادهن. سيدات يتبخترن فارعات القدود، حتى اهتزاز النهود. مشمرات لحدِّ الركبتين، عاريات ما عدى النهدين وبين الفخذين، مسربلات بــ "جين " مبرقع بسبع وسبعين رقعة مشكلة الألوان مختلفات، أو متلبسات بسروال شفاف حتى الإسفاف، يُقرأ من خلاله طالع البنات الغربيات الآتيات من موسكو روسيا، وبيكين الصين، وباريس فرنسا، وواشنطن أمريكا، ولندن إنجلترا، وفرانكفورت ألمانيا... ومن كل الأجناس... سامقات بطلعة الخيزران، ماسيات كأغصان الزيزفون، طريَّات كالندى الهاتون، ثابتات الخطى، وكأنهن من ساكنات الحي من ماضي السنين. عفيفات "ولا متخذات أخدان".
من بين الأهالي والسَّائحات، سيدات فاضلات جليلات محتشمات، محصنات، يُدْنِين عليهن من جلابيبهن، ضاربات بخمارهن على جيوبهن، غير متبرجات ولا مستأنسات لفتنة. تحتاج الواحدة منهن رفع اللثام وإعادته أثناء الأكل وعند كل لقمة تَضعُها بفمها، مما يثير الانتباه، واقتناص نظرة الاشتباه... وغالبا ما يكون سر المحاسن في جمال المطلع. ومنهن مَن يمشين كالطاووس متبخترات، بأنوار الشارع مستحمات. عربيات لم يفارق الإثمِد جفونهن بعد. يافعات كباقي الوشم في ظاهر اليد. عطورهن تفوح كبخور عَرار المعبد.
هكذا هو شارع المشائين... حافل بكل أنواع الحياة، خصوصا مساء يوم الجمعة وزوال يوم السبت. وبعدهما تخف الحركة ويعود المكان إلى السكون والهدوء. وتبدأ الدورة التجارية بالمسير. فالمدينة مدينة رجال الأعمال، أكثر منها مدينة الفسحة والاستجمام. واغتنام عشية استرخاء من المتاعب، يكون بمثابة استراحة المحارب.
" تَمَتَّعْ من شمَِيم عَرَارِ نَجْدٍ* فما بعد العشية من عَرَارِ ـــ .
لكن حريتك تنتهي عند أرنبة أنفك. هذه دبي، كل مَنْ فيها آمِن وأمين.
أبو ظافر
عبد الكريم الوزانتي

No comments:
Post a Comment