*مضت سنة على كتابة هذا الموضوع
وأعود إليه من أجل التذكير بأهمية التواصل بين التاجر والزبون
****
أمريكا والــجــمـعـة الــسـوداء
USA & BLACK FRIDAY
أن
تقوم للصلاة أو للعمل باكرا، فهذه سنة حميدة. أما أن تقوم على عجل من أجل التسوق
بيوم ماطر قارس البرودة وشاق المطلب كأنك في سباق محموم لتقف بطابور لا حد
له، ناهيك عن وجود موقف لسيارتك، فهذا وحده طامة في حد ذاتها. فالبوليس لن يغفر لك
الوقوف الغير القانوني ولو كانت وجهتك العالم الآخر...
هناك من
يبنون خيامهم بمحاذاة المجمع التجاري المقصود لطيلة أسبوع، من أجل اقتناء الحاجيات
المفضلة قبل نفاذها. بالرغم من ذلك، تقع حوادث في غاية من الخطورة من كثرة التسابق
والاندفاعات. تخالها فوضي لكنها تتمتع بقوة الانضباط والقانون، ما يذكر بقولة أحد
الفلاسفة: " العيش في ظل القانون، كالعيش في أحضان الحياة الأبدية ".
لكنها مواصفات التجارة الحرة وبديهيات
الاقتصاد الأمريكي. الدعاية ثم الدعاية إلى أن تصبح الدعاية إغراء والإغراء عقيدة
واحتفاء. خصوصا عندما تكون هذه الدعاية تعني أحد الأيام التي تهم الغني والفقير
على السواء " الجمعة السوداء". هي الجمعة الموالية ليوم الخميس الرابع
من شهر نونبر من كل سنة "عيد الشكر". هذا العيد الذي يعتبره الأمريكيون، يوم تقديم
الديك الرومي قربانا وشكرا لله، الذي أنقد الأجداد المهاجرين، أولائك المنفصلين عن
الكنيسة الانجليزية من (أرض المملكة التي لا تغيب عنها الشمس سلفا) عام 1620، ليصلوا إلى الساحل الأمريكي بعد مجابهة الأهوال البحرية
ومعاناة الأوضاع المزرية عند الوصل. حيث تشرد من تشرد وقضى من قضى. إلى أن استقرت
البقية الباقية، بمدينة بليموث، ولاية ماساتشوستس. بعد ذلك بنوا الكنيسة، وأقاموا
العبادات، مما جعل قلوب الهنود الحمر تهفوا إليهم، ليحتضنهم رئيس إحدى كبريات
القبائل المسيطرة على البلاد والعباد ويساعدهم على الحرث والنسل...ليرتدوا فيما
بعد على الهنود الحمر ويشردوهم ويقطعوهم أو يستوطنوهم قطعا نائية..
من هناك نشروا عقيدتهم وتوجيهاتهم عبر الولايات،
ليقيموا بعد ذلك مع الأصفياء، يوم شكر لله، إلى أن أصبح ذلك، يوما وطنيا باعتراف
الكونغرس عام 1941، وهو يوم مبارك يُجـلّ ويُعظم، من
قبل الجميع، كما يُجل ويُعظم عيد الأضحى المبارك. ـــ بفارق الديك الرومي والخروف
الغنمي ـــ
يأتـي خميس عيد
الشكر والبهاء، وتليه الجمعة السوداء. هذا اليوم الذي تعود تسميته لإبان الأزمة
الاقتصادية الأمريكية عام 1869، حيث
تدنت المعيشة وتقلصت الأجور وحل الفقر بين الناس. فجاءت مبادرة التجار حينها لتخفف
المعاناة عن الفقراء، بجعل السلع في متناول السواد الأعظم، بأثمان منخفضة تصل في
بعض الأحيان إلى ما يناهز 60% فما فوق، مع تسامح بإعادة السلعة إذا لم
توفي بالغرض المطلوب، إلى غاية ما بعد الشهر أحيانا. وهو عرف سائد بعالم التجارة الأمريكية.
من أخذ
هذا عن ذاك...
في الزمن القديم عُرف تُجار مدينة فاس، بمساهمة من هذا
القبيل. عوض المجمعات التجارية، كانت هناك فنادق بمثابة مجمعات، وكان للتجارة
أمين. قبيل الأعياد يضع التجار بضاعتهم رهن إشارته، فيتكفل ببيعها بأثمان زهيدة
بباحة الفندق وحوانيته، مساعدة للمساكين والفقراء.
تبركا بهذين
اليومين العظيمين، "عيد الشكر والجمعة السوداء"، تمتد أيام التسوق بالولايات
المتحدة الأمريكية من 25 نونير إلى غاية 25 من دجنبر، إفساحا لشراء هدايا عيد الميلاد (المسيح) ورأس السنة، بأثمان
مناسبة، ليست بالمرتفعة ولا بالمنخفضة غير ما كانت عليه بيوم الجمعة السوداء، ليعم
الضوء بعد السواد، وتدخل الفرحة قلوب الشيوخ واليافعين والأولاد... ذلكم أنه مهما
طال السواد، لابد وأن يكون هناك ضوء . وبالمفهوم الأزلي "الأصل هو الضوء"
ولا يحل الظلام إلا بعد غياب الضوء.... وكذلك الخير والشر، والاجتهاد والتكاسل،
والعمل والخمول، والمحبة والكراهية، والعلم والجهل...
أما لماذا سمي هذا اليوم الأبيض باليوم الأسود،
فأقربها أن يكون التعبير بالأسود، طلبا للهدوء والسكينة وراحة البال..."وجعلنا
الليل لباسا والنهار معاشا" (ص.ع)
عبد الكريم الوزاني
سان افرانسيسكو، والاناط كريك،
الجمعة 25 نونبر 2011

No comments:
Post a Comment